بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

الدولة المستحيلة حين تصبح الدولة أقوى من الأخلاق بقلم حسام بدراوي‎

قرأت كتابًا لوائل حلاق* عنوانه:‏
الدولة المستحيلة‎
The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity‏’‏‎ Moral ‎Predicament
وهو كتاب لا يناقش، كما قد يوحي عنوانه، استحالة وجود دولة في مجتمع مسلم، ولا يقول إن ‏المسلمين غير قادرين على بناء دولة حديثة، وإنما يطرح تصوراً أكثر تعقيدًا واستفزازاً للفكر:‏
أن الجمع بين مفهوم ‏‎«‎الدولة الإسلامية‎» ‎وبين مفهوم ‏‎«‎الدولة الحديثة‎»‎، بصورته التي تشكلت ‏في أوروبا، قد يحمل تناقضًا في داخله.‏
فالدولة الحديثة، كما يراها “حلاق”، ليست مجرد حكومة وبرلمان ووزارات وشرطة وجيش ‏وقضاء. إنها بناء فلسفي كامل يقوم، قبل كل شيء، على مفهوم السيادة.‏
الدولة هي صاحبة السلطة العليا داخل حدودها.‏
هي التي تشرّع.‏
وهي التي تنفذ.‏
وهي التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوة.‏
أما النظام الإسلامي التاريخي، فيرى “حلاق” أنه نشأ على فلسفة مختلفة. لم يكن الحاكم، من ‏حيث المبدأ، هو الذي يصنع القانون، بل كان هو نفسه خاضعًا لقانون أعلى منه هو الشريعة.‏
وهنا تبدأ المشكلة التي يقوم عليها الكتاب.‏
من يملك القانون؟
ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي في ‏‎«‎الدولة المستحيلة‎»‎‏.‏
في الدولة الحديثة، يصدر القانون في النهاية عن الإنسان ومؤسساته السياسية، ويمكن للبرلمان ‏أن يغيره، وللدستور أن يعدله، وللمجتمع أن يعيد صياغته.‏
أما في التصور الإسلامي التقليدي، فإن المصدر النهائي للشرعية ليس إرادة الحاكم، ولا حتى ‏إرادة الأغلبية وحدها، وإنما منظومة أخلاقية وتشريعية تتجاوز الجميع.‏
كان الخليفة أو السلطان يحكم، لكنه ‏‎— ‎نظريًا على الأقل ‏‎— ‎لا يملك الشريعة.‏
وكان الفقهاء والقضاة والمؤسسات الاجتماعية والدينية يقفون في مساحة ليست مملوكة بالكامل ‏للسلطة السياسية.‏
ومن هنا يقول “حلاق” إن محاولة إقامة ‏‎«‎دولة إسلامية حديثة‎» ‎قد تنتهي إلى مفارقة عجيبة: ‏نأخذ جهاز الدولة الحديثة، بكل سلطاتها وأدواتها وقدرتها على السيطرة، ثم نضع فوقه لافتة ‏تقول ‏‎«‎إسلامية‎»‎‏.‏
لكن الجهاز يظل هو الجهاز.‏
وهنا يصبح السؤال:‏
هل أسلمنا الدولة الحديثة، أم أننا جعلنا الدين نفسه جزءًا من أدوات الدولة؟
المشكلة ليست في الإسلام وحده
هنا بدأ الكتاب بالنسبة لي يصبح أكثر إثارة.‏
لأنني وجدت أن القضية التي يطرحها حلاق تتجاوز الإسلام بكثير.‏
إنه في الحقيقة يسأل سؤالًا عن الحداثة نفسها:‏
ماذا يحدث عندما تصبح الدولة هي المرجعية النهائية للقانون، بينما تتراجع المرجعية ‏الأخلاقية إلى الخلف؟
لقد حققت الدولة الحديثة إنجازات هائلة لا يمكن إنكارها.‏
أسست مفهوم المواطنة، ونظمت الحقوق، وأقامت المؤسسات، ووسعت التعليم والصحة ‏والخدمات العامة، وأوجدت آليات لتداول السلطة ومحاسبتها، وحررت الإنسان ‏‎— ‎في تجارب ‏كثيرة ‏‎— ‎من سلطة الملوك المطلقة والامتيازات الموروثة.‏
لكنها في الوقت نفسه صنعت جهازًا للسلطة لم تعرف البشرية مثله من قبل.‏
الدولة الحديثة تعرف من نحن، وأين نعيش، وما نملك، وما ندفعه من ضرائب. تسجل ميلادنا ‏ووفاتنا، وتحدد جنسيتنا، وتضع مناهج تعليم أبنائنا، وتملك أجهزة الأمن والسجون والجيوش، ‏واليوم أصبحت تمتلك أيضًا قواعد البيانات والخوارزميات وأدوات المراقبة الرقمية.‏
وهنا تذكرت “جورج أورويل.”في كتابه ” 1984″ حيث كانت السلطة تراقب الإنسان من ‏الخارج حتى تستطيع السيطرة على داخله.‏
أما “حلاق” فيسأل سؤالًا آخر:‏
من يراقب السلطة نفسها عندما تصبح هي مصدر القانون وصاحبة القوة في الوقت ذاته؟
هل القانون هو الأخلاق؟
هنا أختلف قليلًا مع القراءة التي قد توحي بأن الحل ببساطة هو العودة إلى نموذج تاريخي ‏سابق.‏
فالتاريخ لا يعود إلى الوراء.‏
ولا أعتقد أن المجتمعات تستطيع استنساخ نظام سياسي وُلد قبل قرون ووضعه كما هو داخل ‏عالم الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي والدولة الوطنية وحقوق المواطنة والمساواة بين ‏الرجال والنساء وتعدد العقائد والثقافات.‏
لكنني أتفق مع “حلاق” في شيء أعمق:‏
القانون وحده لا يصنع مجتمعًا أخلاقيًا.‏
يمكن أن يكون شيء ما قانونيًا لكنه غير عادل.‏
وقد يكون قرار ما دستوريًا لكنه غير إنساني.‏
وقد ترتكب دولة جريمة كبرى وهي تستند إلى نصوص وقوانين ومؤسسات صاغتها بنفسها.‏
وهنا يظهر الفارق بين سؤالين كثيرًا ما نخلط بينهما:‏
هل هذا قانوني؟
و
هل هذا صواب؟
الحضارة تبدأ عندما لا نعتبر السؤال الأول بديلًا عن الثاني.‏
الأخلاق أقدم من الدولة‎… ‎وأقدم من الأديان
وهنا أذهب خطوة أبعد من الكتاب.‏
فالإنسان لم ينتظر ظهور الدولة الحديثة لكي يعرف العدل والظلم، ولم ينتظر الأنبياء لكي ‏يكتشف كل معاني الخير والشر.‏
لقد عرفت المجتمعات البشرية قبل الأديان السماوية أشكالًا من التعاون، والوفاء، وتحريم القتل ‏داخل الجماعة، ورعاية الأطفال، واحترام العهود، ومعاقبة الخيانة.‏
ثم جاءت الأديان الكبرى لترتقي بهذه الخبرة الإنسانية، وتمنحها معنى متجاوزًا للفرد ‏والمصلحة واللحظة التاريخية.‏
وهذا بالنسبة لي مهم جدًا.‏
لأن الأخلاق لا ينبغي أن تكون حكرًا على المؤمن، كما لا ينبغي أن يصبح الدين مجرد مادة ‏قانونية تحتكر الدولة تفسيرها.‏
فقد يصل المؤمن وغير المؤمن إلى قيمة العدالة من طريقين مختلفين، لكن العدالة تظل عدالة.‏
وربما تكون الحضارة في أفضل صورها هي المساحة التي يلتقي فيها الوحي والعقل والتجربة ‏الإنسانية على حماية كرامة الإنسان.‏
الدولة حين تصبح إلهًا
ربما كان أخطر ما خرجت به من قراءة الكتاب ليس استحالة ‏‎«‎الدولة الإسلامية‎»‎، وإنما خطر ‏الدولة المطلقة.‏
فعندما تصبح الدولة هي التي تحدد القانون والأخلاق والحقيقة والذاكرة والتعليم والإعلام، ‏فإنها تقترب من مكان لم يكن ينبغي لأي سلطة بشرية أن تحتله.‏
وهنا يلتقي‎”‎‏ حلاق‎”‎، بطريقة غير مباشرة،‎”‎‏ مع أورويل‎”‎‏.‏
‎«‎الأخ الأكبر‎» ‎في 1984 لم يكن مجرد ديكتاتور.‏
كان يريد أن يصبح المرجع الذي يحدد للإنسان ما حدث بالأمس، وما هو صحيح اليوم، بل ‏وما يجوز له أن يفكر فيه غدًا.‏
الدولة التي لا توجد فوق سلطتها قيمة أخلاقية تصبح قادرة على أن تجعل القانون خادمًا للقوة ‏بدلًا من أن تجعل القوة خادمة للقانون.‏
لكنني في المقابل لا أريد دولة دينية يحتكر فيها بعض البشر الحديث باسم الله، لأن المشكلة ‏نفسها ستعود في صورة أخرى.‏
إذا كان خطر الدولة الحديثة أن تقول:‏
أنا مصدر الشرعية.‏
فإن خطر الدولة الدينية يبدأ عندما يقول بشر:‏
نحن وحدنا ‏‎ ‎‏( المجموعة الحاكمه) نعرف إرادة الله.‏
وفي الحالتين يصبح الإنسان معرضًا للاستبداد.‏
إذن‎… ‎ما الدولة الممكنة؟
بعد أن انتهيت من الكتاب، وجدتني لا أبحث عن ‏‎«‎الدولة الإسلامية‎» ‎ولا عن ‏‎«‎الدولة ‏العلمانية‎» ‎بقدر ما أبحث عن شيء آخر:‏
الدولة الأخلاقية.‏
دولة مدنية حديثة، مؤسساتها من صنع البشر ولذلك يمكن مراجعتها وتغييرها ومحاسبتها.‏
دولة لا تحتكر الحقيقة.‏
ولا تحتكر الدين.‏
ولا تسمح لرجل الدين بأن يصبح حاكمًا باسم السماء، ولا تسمح للحاكم بأن يصبح إلهًا باسم ‏الدولة.‏
دولة يكون فيها القانون فوق الحاكم، والدستور فوق الحكومة، والكرامة الإنسانية فوق الأغلبية ‏السياسية المؤقتة.‏
وتكون الأخلاق فيها أوسع من القانون.‏
فالقانون يقول لي ما لا يجوز أن أفعله.‏
أما الأخلاق فتسألني:‏
أي إنسان أريد أن أكون؟
وهذه مساحة لا تستطيع أي دولة أن تملأها بالكامل.‏
ما خرجت به من الكتاب
ربما لا أتفق مع وائل حلاق في كل استنتاجاته، لكن الكتب المهمة ليست الكتب التي تجعلنا ‏نوافق مؤلفيها.‏
الكتب المهمة هي التي تجعل السؤال يظل معنا بعد أن نغلق الصفحة الأخيرة.‏
وقد تركني ‏‎«‎الدولة المستحيلة‎» ‎أمام سؤال أكبر من عنوانه:‏
هل المشكلة حقًا في استحالة الدولة الإسلامية الحديثة، أم في أننا بنينا دولة حديثة شديدة القوة، ‏ثم نسينا أن نسأل: من أين تستمد هذه القوة حدودها الأخلاقية؟
الدولة ضرورة.‏
والقانون ضرورة.‏
والمؤسسات ضرورة.‏
لكن الحضارة لا تقوم على الضرورات وحدها.‏
هناك شيء يجب أن يبقى دائمًا أعلى من القوة، وأعمق من القانون، وأبعد من السياسة:‏
كرامة الإنسان.‏
ولعل الدولة الممكنة التي أبحث عنها ليست دولة دينية ولا دولة معادية للدين، وليست دولة ‏ضعيفة أمام المجتمع ولا دولة تبتلعه.‏
إنها الدولة التي تعرف حدودها.‏
فأخطر لحظة في حياة أي دولة ليست عندما تضعف فقط، بل عندما تقتنع بأنها تملك الحق في ‏كل شيء.‏
وعندها قد تصبح الدولة ‏‎«‎مستحيلة‎» ‎لا لأنها لا تستطيع أن توجد‎…‎
بل لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حرًا داخلها.‏
‏————‏
‏*‏
وائل حلاق مفكر وباحث أكاديمي فلسطيني الأصل، كندي الجنسية، وُلد في حيفا عام ‏‎1955.‎
حصل على الدكتوراه من جامعة واشنطن، والتحق بعدها بمعهد الدراسات الإسلامية ‏في جامعة مكغيل حيث عمل أستاذاً مساعداً للقانون الإسلامي عام 1985‏
‎•‎ يعمل حالياً أستاذاً للعلوم الاجتماعية في جامعة كولومبيا، قسم دراسات الشرق ‏الأوسط ‏

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى