
بمناسبة ذكرى رحيله في العاشر من سبتمبر 1981
ثمة موسيقيون يُطربون الأذن، وآخرون يبنون بالنغمة عمارة تسكنها الروح جيلًا بعد جيل. ورياض السنباطي، الذي نستعيد ذكرى رحيله في هذه الأيام، كان من الصنف الثاني.. لم يكن يُلحّن أغنية بقدر ما كان يشيّد صرحًا، يضع لبنة فوق لبنة، حتى يقف اللحن شامخًا كأنه لم يكن يومًا مجرد صوت عابر في الهواء.
وُلد في فارسكور بمحافظة دمياط عام 1906، لأب كان مقرئًا يُنشد في الموالد والأعياد، فحمل الطفل الموسيقى في أذنيه قبل أن يحملها في يديه. علمه الأب المقامات والإيقاعات، ثم لُقّب الصبي في المنصورة بـ”بلبل المنصورة” قبل أن يبلغ العشرين وحين انتقل إلى القاهرة وتقدّم بطلب الالتحاق تلميذًا بمعهد الموسيقى العربية، رأت لجنة الامتحان أن قدراته تفوق مقام الطالب، فعيّنته أستاذًا للعود. تلك كانت أولى إشارات العبقرية: أن يُستقبل الوافد أستاذًا لا تلميذًا.
بين الأصالة والحداثة
شكّل السنباطي مدرسة قائمة بذاتها في تلحين القصيدة العربية، فلم يكن صدى لأحد.
وأدخل آلة العود إلى قلب الأوركسترا، وغاص في الموسيقى الشرقية حتى تخومها، ثم صاغ منها امتدادًا نحو القوالب الكلاسيكية الغربية التي كان يعشقها ويحتفظ بأسطواناتها ويعزف بعض مقاطعها على عوده.
كان، كما وصفه بعض معاصريه، “ناسكًا موسيقيًا”: منضبط المواعيد حتى الوسوسة، قليل الضجيج، يعيش في منأى عن صخب الوسط الفني، منصرفًا إلى معمله الداخلي حيث تُصهر الفكرة قبل أن تخرج لحنًا.
وفي عام 1946، حين لحّن لأم كلثوم “غلبت أصالح في روحي” ردًا فنيًا على “رقّ الحبيب” للقصبجي، افتتح بابًا جديدًا في تاريخ الغناء العربي: الأغنية العاطفية الطويلة، التي تُبنى بناءً معماريًا متصاعدًا لا يُستهلك في الدقائق الأولى بل يتكشف تدريجيًا كما تتكشف رواية كبرى. ومن رحم تلك التجربة، التي استمرت اكثر من عقدين من الزمان ، وُلدت “الأطلال”، التي أجمع كثير من النقاد على اعتبارها أعظم أغنية عربية في القرن العشرين.
ثالوث لا يكتمل إلا باكتمال أطرافه
في رأيي ، يصعب أن نتحدث عن السنباطي بمعزل عن عبد الوهاب وفريد الأطرش، فالثلاثة شكّلوا في وجدان الأمة العربية ما يشبه ثالوثًا لا يقوم أحد أضلاعه مقام الآخر. كان عبد الوهاب مغامرًا يفتح النوافذ على كل ما هو جديد، يستعير من الغرب آلاته وصوره، ولا يهدأ عن التجريب. وكان فريد الأطرش عاشقًا يصوغ الوجع في قوالب راقصة، يمزج بين الحزن الفردي والإيقاع الجامع. أما السنباطي، فكان الحكيم بينهم، المهندس الذي لا يستعجل، والذي وضع نصب عينيه سؤالًا واحدًا: كيف يُترجم المعنى العميق للكلمة إلى بناء موسيقي لا ينهار؟
لم يكن أقل حداثة من عبد الوهاب، ولا أقل عاطفة من فريد، لكنه اختار أن تكون حداثته متجذرة، وعاطفته مُهندَسة لا مرتجلة. وربما كان هذا هو سرّ الاحترام الاستثنائي الذي حظي به: أنه صالح بين الأصالة والتجديد دون أن يخون أيًا منهما.
ما الذي يبقى؟
حين نتأمل تراثه - 539 عملًا غنائيًا، و38 قطعة موسيقية، وتعاونًا مع 120 شاعرًا، و282 عملًا مع أم كلثوم وحدها - ندرك أننا لسنا أمام حجم إنتاج فحسب، بل أمام موقف من الفن ذاته: أن اللحن ليس زخرفة تُضاف إلى الكلمة، بل هو الكلمة وقد اكتشفت جسدها الحقيقي. لذلك ظل السنباطي - رغم زهده في الأضواء وابتعاده عن صخب الشهرة - حاضرًا في كل مرة تُستعاد فيها “الأطلال” أو “أراك عصي الدمع” أو “ولد الهدى”، أو عودت عيني، أو أروح لمين لأن ما بناه لم يكن موضة عابرة، بل عمارة تسكنها الأجيال.
وربما هذا هو الدرس الأعمق الذي يتركه لنا في ذكراه: أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج يُثبتها، بل إلى صنعة صادقة تتركها الأيام تتحدث عن نفسها.




