بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

رياض السنباطي و‎ ‎القدرة علي تحويل الوجدان إلى بناء بقلم حسام بدراوي

بمناسبة ذكرى رحيله في العاشر من سبتمبر 1981‏
‏ ‏
ثمة موسيقيون يُطربون الأذن، وآخرون يبنون بالنغمة عمارة تسكنها الروح جيلًا بعد جيل‎. ‎ورياض السنباطي، الذي نستعيد ذكرى رحيله في هذه الأيام، كان من الصنف الثاني.. لم يكن ‏يُلحّن أغنية بقدر ما كان يشيّد صرحًا، يضع لبنة فوق لبنة، حتى يقف اللحن شامخًا كأنه لم يكن ‏يومًا مجرد صوت عابر في الهواء.‏
وُلد في فارسكور بمحافظة دمياط عام ‏‎1906‎، لأب كان مقرئًا يُنشد في الموالد والأعياد، فحمل ‏الطفل الموسيقى في أذنيه قبل أن يحملها في يديه.‏‎ ‎علمه الأب المقامات والإيقاعات، ثم لُقّب الصبي في المنصورة بـ‎”‎بلبل المنصورة‎” ‎قبل أن ‏يبلغ العشرين وحين انتقل إلى القاهرة وتقدّم بطلب الالتحاق تلميذًا بمعهد الموسيقى العربية، ‏رأت لجنة الامتحان أن قدراته تفوق مقام الطالب، فعيّنته أستاذًا للعود‎. ‎تلك كانت أولى إشارات ‏العبقرية‎: ‎أن يُستقبل الوافد أستاذًا لا تلميذًا‎.‎
بين الأصالة والحداثة
شكّل السنباطي مدرسة قائمة بذاتها في تلحين القصيدة العربية، فلم يكن صدى لأحد.‏
‏ وأدخل آلة العود إلى قلب الأوركسترا، وغاص في الموسيقى الشرقية حتى تخومها، ثم صاغ ‏منها امتدادًا نحو القوالب الكلاسيكية الغربية التي كان يعشقها ويحتفظ بأسطواناتها ويعزف ‏بعض مقاطعها على عوده.‏‎ ‎
كان، كما وصفه بعض معاصريه، “ناسكًا موسيقيًا‎”: ‎منضبط المواعيد حتى الوسوسة، قليل ‏الضجيج، يعيش في منأى عن صخب الوسط الفني، منصرفًا إلى معمله الداخلي حيث تُصهر ‏الفكرة قبل أن تخرج لحنًا.‏
وفي عام ‏‎1946‎، حين لحّن لأم كلثوم “غلبت أصالح في روحي‎” ‎ردًا فنيًا على “رقّ الحبيب‎” ‎للقصبجي، افتتح بابًا جديدًا في تاريخ الغناء العربي‎: ‎الأغنية العاطفية الطويلة، التي تُبنى بناءً ‏معماريًا متصاعدًا لا يُستهلك في الدقائق الأولى بل يتكشف تدريجيًا كما تتكشف رواية كبرى‎. ‎ومن رحم تلك التجربة، التي استمرت اكثر من عقدين من الزمان ، وُلدت “الأطلال‎”‎، التي ‏أجمع كثير من النقاد على اعتبارها أعظم أغنية عربية في القرن العشرين‎. ‎
ثالوث لا يكتمل إلا باكتمال أطرافه
في رأيي ، يصعب أن نتحدث عن السنباطي بمعزل عن عبد الوهاب وفريد الأطرش، فالثلاثة ‏شكّلوا في وجدان الأمة العربية ما يشبه ثالوثًا لا يقوم أحد أضلاعه مقام الآخر‎. ‎كان عبد ‏الوهاب مغامرًا يفتح النوافذ على كل ما هو جديد، يستعير من الغرب آلاته وصوره، ولا يهدأ ‏عن التجريب‎. ‎وكان فريد الأطرش عاشقًا يصوغ الوجع في قوالب راقصة، يمزج بين الحزن ‏الفردي والإيقاع الجامع‎. ‎أما السنباطي، فكان الحكيم بينهم، المهندس الذي لا يستعجل، والذي ‏وضع نصب عينيه سؤالًا واحدًا‎: ‎كيف يُترجم المعنى العميق للكلمة إلى بناء موسيقي لا ينهار؟ ‏
لم يكن أقل حداثة من عبد الوهاب، ولا أقل عاطفة من فريد، لكنه اختار أن تكون حداثته ‏متجذرة، وعاطفته مُهندَسة لا مرتجلة‎. ‎وربما كان هذا هو سرّ الاحترام الاستثنائي الذي حظي ‏به‎: ‎أنه صالح بين الأصالة والتجديد دون أن يخون أيًا منهما.‏
ما الذي يبقى؟
حين نتأمل تراثه ‏‎- 539 ‎عملًا غنائيًا، و‎38 ‎قطعة موسيقية، وتعاونًا مع ‏‎120 ‎شاعرًا، و‎282 ‎عملًا مع أم كلثوم وحدها ‏‎- ‎ندرك أننا لسنا أمام حجم إنتاج فحسب، بل أمام موقف من الفن ‏ذاته‎: ‎أن اللحن ليس زخرفة تُضاف إلى الكلمة، بل هو الكلمة وقد اكتشفت جسدها الحقيقي‎. ‎لذلك ظل السنباطي ‏‎- ‎رغم زهده في الأضواء وابتعاده عن صخب الشهرة ‏‎- ‎حاضرًا في كل ‏مرة تُستعاد فيها “الأطلال‎” ‎أو “أراك عصي الدمع‎” ‎أو “ولد الهدى‎”،‏ أو عودت عيني، أو ‏أروح لمين لأن ما بناه لم يكن موضة عابرة، بل عمارة تسكنها الأجيال.‏
وربما هذا هو الدرس الأعمق الذي يتركه لنا في ذكراه‎: ‎أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى ‏ضجيج يُثبتها، بل إلى صنعة صادقة تتركها الأيام تتحدث عن نفسها.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى