بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: أمن مَن.. وبأي معنى؟»

كلما أراد أحدنا أن يؤكد أهمية قضية، قال إنها «تمس الأمن القومي». نقولها عن الماء والغذاء والتعليم والصحة والاقتصاد والثقافة، وقد يكون في ذلك قدر كبير من الصواب. لكنني أتوقف أحيانًا أمام العبارة وأسأل: هل يفهم قائلها ومستمعها الشيء نفسه؟ أم أنها صارت تعني، في بعض المواقف، «لا تقترب»؟

لنبدأ بالكلمة الأولى: الأمن. هو الاطمئنان إلى أن ما تقوم عليه حياتنا لن يتعرض لخطر جسيم من دون قدرة على دفعه أو التعافي منه. وقد يكون الخطر اعتداءً على الحدود، أو انهيارًا في مورد حيوي، أو ضعفًا يجعل الناس ومؤسساتهم عاجزين عن مواجهة أزمة. الأمن بهذا المعنى ليس مجرد غياب الخوف؛ إنه امتلاك القدرة على حماية الحياة واستمرارها.

ثم تأتي الكلمة الأصعب: القومي. القوم جماعة ترى بينها روابط وهوية ومصيرًا مشتركًا. لكن من هم «القوم» حين نقول «الأمن القومي المصري»؟ هل نقصد مواطني الدولة المصرية، أم الأمة العربية الأوسع، أم أن الكلمة تُستخدم من غير تحديد؟

أفهم سبب هذا الالتباس. فقد ارتبطت «القومية» في وجدان أجيال منا بالقومية العربية وبجمال عبد الناصر. غير أن الفكرة سبقته، وإن أصبح في زمنه أحد أبرز من حملوها إلى ميدان السياسة والجماهير. وما زال هذا التاريخ حاضرًا في آذاننا كلما سمعنا وصف «قومي». لذلك لا أريد أن أتعامل مع الكلمة كأن معناها واضح بذاته.

إذا كنا نتحدث عن مصر، فقد يكون وصف «الأمن الوطني» أدق في بعض السياقات، لأنه يشير بوضوح إلى الدولة ووطنها ومواطنيها. ومع ذلك، جرى استعمال «الأمن القومي» للدلالة على أمن الدولة ومصالحها الأساسية، حتى صار التعبير مألوفًا. ليست مشكلتي مع اختيار إحدى الكلمتين، بل مع أن ننتقل بين معانيهما من غير أن ننتبه: فنبدأ بالحديث عن أمن المواطنين، ثم نجعل الاعتراض على قرار مسؤول كأنه خطر على الوطن كله.

أما الأمن المجتمعي فيشير، في استعماله الأوسع، إلى سلامة العلاقات داخل المجتمع: الثقة بين الناس، والسلم الأهلي، وقدرة المختلفين على العيش معًا. وهو جزء مهم من أمن البلاد، لكنه لا يستوعب وحده مسألة الحدود أو الاستقلال السياسي أو الموارد التي يعتمد عليها الجميع. وهناك أيضًا أمن الإنسان: أن يجد الفرد ما يصون حياته وكرامته من الخوف والعوز. وقد أعطى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لهذا المعنى مكانًا واضحًا في حديثه عن الأمن الإنساني. (hdr.undp.org)

هذه المعاني تتصل بعضها ببعض، لكنها ليست كلمات مترادفة. فقد نحمي حدود الدولة ويظل مواطنوها خائفين على معيشتهم. وقد ننشغل بإسكات خلاف داخل المجتمع بينما مصدر الخطر الحقيقي هو غياب الثقة الذي جعل الخلاف أشد. وتحديد ما نريد حمايته يساعدنا على اختيار الوسيلة المناسبة.

لا أستخف بالأمن القومي. فمن واجب الدولة أن تحمي شعبها وحدودها ومؤسساتها وقدرتها على اتخاذ قرارها بحرية. وهناك معلومات يسبب كشفها ضررًا حقيقيًا. لكن الاعتراف بذلك لا يجعل العبارة جوابًا كافيًا عن كل سؤال. حين يقال لنا إن أمرًا ما «أمن قومي»، يحق لنا أن نسأل: ما الخطر المحدد؟ وعلى من يقع؟ وكيف يعالجه القرار المقترح؟

قد لا تكون كل التفاصيل قابلة للنشر، لكن يمكن في كثير من الأحيان شرح المنطق العام ومناقشة النتائج. ولا يحتاج المواطن إلى معرفة خطة عسكرية حتى يسأل عن أولويات الإنفاق، أو إلى الاطلاع على معلومة سرية حتى يناقش سياسة تمس حياته.

أخشى أن تفقد هذه العبارة قوتها كلما توسعنا في استخدامها لإغلاق النقاش. فالقضايا المهمة تستحق حجة واضحة، لا كلمة تُعفي قائلها من تقديم الحجة. وإذا كان أمن الناس جزءًا مما نحميه، فإن قدرتهم على السؤال والتنبيه والمراجعة قد تكون هي أيضًا مصدرًا من مصادر الأمن.

ربما علينا، في كل مرة نسمع فيها «الأمن القومي»، أن نتوقف لحظة ونسأل بهدوء: أمن مَن؟ من أي خطر؟ وبأي ثمن؟ عندئذ تستعيد الكلمة معناها، ونستطيع أن نختلف حول السياسات من دون أن يتحول الاختلاف نفسه إلى تهمة.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى