لوحة بريشة داليا حموده بتصرف مني
عشت حياتي محاطًا بالستات، كل واحدة منهن تركت في نفسي معنى للحياة لا يُنسى.
حتى مهنتي كطبيب نساء جعلت مريضاتي، وحياتهن وتجاربهن، جزءًا من فهمي للحياة… ومن تكويني الإنساني.
عبر السنين كتبت في عام 2021 مقالا بعنوان “أنا وأربع ستات ” ، وفي عام 2022 كان المقال عنوانه “أنا وست ستات “، وفي عام 2023 أضفت ستي وتاج رأسي السابعة، وهي حفيدتي.. وفي 2024 أضفت الست الثامنة وهي جدتي و من المؤكد أن لكل قارئ من يماثلهن في حياته.
وسأختم مقالي هذا العام برمزيتين تحيطان بالمقال وتحتضنه.
لا تفضيل في الترتيب ، ولكني أبدأ بالسِت الثانية وأترك الأولي لنهاية المقال قبل الانتقال الي الست التاسعة والعاشرة اللتان أضفتهما هذا العام..
الست الثانية هي كل أم من أمهات هذا الجيل الجديد الذي يداوم المجتمع علي انتقادهِ ، فأري حولي عكس ما يقال عنهن ، ستات أمهات ترعي بيوتها ، وتُعيل أُسرها ، وتعمل بلا كلل صباحاً ومساءاً ، وتُنفق ، وتُربي ، وتُحاور ، وتُذاكر، وتُعد لكل واحد من أسرتها ، غذائه وملابسه وكتبه ، وتذهب لتمارين أولادها ، ودروسهم الخصوصية ، وتمارس وظيفتها في نفس الوقت لتشارك في الإنفاق علي أسرتها. وهي نفسها التي تحمل وتلد وترضع وتسهر الليالي، يوماً بعد يوم ، ساعة بعد ساعة .
أمهات هذا الجيل من الشابات أبطالاً في نظري .
الست الثالثة:
هي إبنتي ..طول عمرها وانا أسميها ” أفكاري السعيدة” لأنها إنسانة متفائلة ،مبتسمة، جميلة المظهر والمدخل. ثم وهي في سن الخامسة والعشرين ، ظهر لها مرض السكر من النوع الأول وهو الأخطر ،وفي خلال شهور قليله توغل المرض وأصبح جسمها خالياً تماما من إلانسولين اللازم لحياتها ونشاطها وطاقتها ، بكل ما يعنيه هذا المرض من إحتياج لتغيير مطلق لنوعية الحياة ، والعلاج المستمر ، والحقن والقياس ، وتغيير شكل ونوعيه الغذاء.
فجأة أصبحت إبنتي ، وهي أم لثلاثة أطفال ، وزوجة ، وامرأة عاملة، في احتياج لصياغة حياتها بشكل جديد.
رأيتها ، بشبابها وعلمها ونضارتها تدخل مرحلة لم تكن معدة لها نهائياً ،وسط مسئوليات حياتها التي تآخذها بجدية والتزام.
غيرت حياتها ، بارادة حديدية، وفي خلال سنوات قليلة تحكمت في نفسها ، وتفعل ذلك وهي تلازم بناتها وتشجعهن ليمارسن معها الرياضة، وتذهب معهن للتدريب البدني ، ودروس الموسيقي ، وتشارك كل لحظة في حياتهن ، وتحضر كل نشاط في مدرستهن، وتقرأ معهن ولهن، وتملأ حياة أسرتها بالبهجة والسرور.
ولأنها إنسان جميل فإنها كرست جزء من مجهوداتها لمساندة الاطفال المصابين بالسكر لتمنع عنهم كوارث المرض بعد مرور السنين.
أنظر اليها وأقول هذه إمرأة تستحق أن تكون مثلاً أعلي ومِثلها في المجتمع الكثيرين. لا هي فَرطت ولا تكَاسلت ولا انهارت بل واجهت بابتسامة، وانتصرت بارادة ، ولا يحس أحدا من حولها بما فيها ولا تُحمّل واحداً من أسرتها همها ولا لحظاتِ أسي وخوف لابد قد مرت أو تمر بها.
ولماذا أكتب عنها؟
أكتب لأن هناك في كل مكان ، شابة مثلها، فنسبة الاصابة بالسكر في مصر مرتفعة جداً، ومضاعفاته أراها في المرضي كل يوم.
هناك آلاف مثل إبنتي وعليهن أن يأخذوا حياتهم في أيديهم، فلا يبتأسوا ، ولا يستسلموا ،بل يعلموا أن الارادة والمعرفة والجدية ، تصنع منهن أبطالا وقدوة ومثلا أعلي .
يا إبنتي.. ويا كل أم مثلها ، أنتن أمهات تستحقن الفخر والتقدير.
الست الرابعة: هي زوجتي…..
كل أم تحب أولادها وتحميهم و تحنو عليهم وتعطيهم بلا انتظار لرد أو اعتراف بجميل وهو ما يجعل الأم أماً . ولكن زوجتي غَلفَت أمومتها بصداقة مع أولادها بلا تكلف ولا ضغوط ، وتواجد إنساني في حياتهم برغبتهم وسعادتهم واشتياقهم.
إن أول ما يخطر علي بالهم وأنا معهم، بعد يوم عمل أو انتهاء مقابلة أو حدث سعيد أو أليم هو الاتصال بها وسماع صوتها لأنها الأمان بدون كلام، وركن الراحة والاطمئنان بلا ضجة، ومساحة الحرية لهم في التعبير عن نفسهم بلا خوف من أحكام ولا رهبة من إخراج مكنون سعادة أو آلام.
أقول لها كشاهد أن هذا أفضل إنجازاتها في الحياة لأنهم بنفسهم السوية ، واستقامة حياتهم ، وجمال سلوكهم ، وفضل وعقل علاقاتهم بالآخرين ،نتاج لحبها المستمر بلا انقطاع ،الذي كون وجدانهم وحنن قلوبهم وأعطي كلا منهما الفرصة لإظهار أفضل ما فيهما.
وعندما جاء لنا الأحفاد، طيوراً تغني في سماء حياتنا، وتعطيها نوعاً و عبيراً للسعادة لم نعرفة من قبل، فإذا بها جدة غير عادية بحنان وعلم، وتواجد ومسئولية ، بلا تدخل زائد ، بل بحب جارف ومشاعر فياضة وضعت أولوية جديدة في حياتنا.
من أب وزوج يعي دورها في حياتة وحياة أبناءة ، ويعلم أن جزءاً كبيراً من فضل اللة علية بحب أبناءة يعود الي أم تدفع فيهم كل ما هو جميل تجاهه ، وتعمق في وجدانهم كل ما هو محترم لذاته ، أحبك و أشكرك و أحترمك و أقدرك .
الست الخامسة : هي صديقتي..
الصديقة العاقلة القريبة مهما بعدت ، الناصحة ، فالصداقة مع المرأة قيمتها كبيرة وعظيمة لو تعلمون.
هل تعرفون لماذا ؟؟
صحيح أن الصداقة عموما كلها محبة وسكينة نفس ،لكن الجميل في الصداقة مع المرأة انه لا لوم فيها ولا احتياج لتبرير فعل أو غياب .
الصداقة مع المرأة تتخلص من ضغوط ارتباط الزواج ، ويمكن الشراكة فيها ، ولا تستوجب إرضاء الصديق بل أن تكون كما أنت .
في الصداقة بهجة بدون تكلفة، وسند بدون ثمن، وثقه لا تختبر في كل لقطة ، وحب لا يدخل إمتحان لانه لا يحتاج شهادة لإثباته.
من له صديقة فليتمتع بالصداقة وبهجتها ، ومعزة الصداقة ودوامها، وحريتها بنقاء واحترام لحدودها.
الست السادسة : هي أختي…
هي الأخت القوية ، المساندة ، بألف رجل.
والأخت عندما تكون حنون وصديق وشغوف كما هو الحال بأختي ، فقد أعطاني الله بها مودة ، ومنحني سنداً زمنياً ، فما بالك إن كانت أيضاً عالمة وقوية وطبيبة ترعي الأم والأخوة والأولاد والأحفاد والزوج ، في كل لحظة وفي كل مقام .
لا يوجد لأحد في الاسره تأثيرا كتأثيرها ولا تواجداً مثل تواجدها ، ليس فقط لعائلتها الصغيرة ، ولكن لكل أولادنا وأحفادنا.
هي المتاحة دائما، المؤثره في كل وقت، المعالجة والحكيمة لهم كلهم . هي أول من يخطر علي بال كل أم في الاسرة لحظة الاحتياج أو الخوف علي الأولاد. هي جدار المساندة لكل أسره صغيرة من أسرتنا الكبيرة ، ليس فقط لمهارة العلم ، لكن لطمأنينة القلب. والعجيب أن كل من يكبر من الاطفال تظل هي طبيبته وحبيبته مهما كان طولة وعمره ووزنه.
هي أختي صديقتي الأولي وراعيتي عبر السنين.. يالها من امرأة بألف رجل.
الست السابعة: هي حفيدتي
، الآنسة و المؤنسة ، التي تعطي للحياة طعماً جديداً ، ومذاقاً لا يحسه الإنسان إلا عندما يصبح جِداً.
أري نموها فأعجب ، وألاحظ نضوجها فأسعد ، وأراقب بشغف إتساع مداركها فينشرح صدري، وأفخر ببطولاتها في المدرسة ، وكأن الحياة تبدأ معي من جديد.
حفيداتي في الحادية عشر والسادسة عشر والثامنة عشر هن جائزتي من الله ، أبقاهن لي ولكل جد مثلي ، أملاً وطاقة ، يمنحن لنا حياة متجددة..
الست الثامنة هي جدتي ،
التي كانت رغم أنها في زمن طفولتي غير متعلمة إلا أنها كانت مصدر الحكمة ، ورمانة ميزان للأسرة المصرية. أتذكر مقولة عبقرية لجدتي تقول:
” الزيادة قوي يابني نقصان” واترك للقارئ أن يفكر في حكمتها.
أما في هذا الزمن ، فأنظر لزوجتي وأختي ومريضاتي وهن جدات متعلمات ومثلهن في هذا الجيل الكثيرات ، وأتعجب وأفتخر بهن مشاركات وكأنهن أمهات مرادفات (رقم ٢ )
للأحفاد بالمساندة والاحتواء والرعاية والتواجد الإيجابي ، و تحولهن من شكل الجدات زمان اللاتي يحتجن الي الرعاية الي جدات هذا الزمان اللاتي يرعون ويضيفون ويُعلمون ، وأقول في نفسي جدة اليوم تستحق الوقوف تحية لها.
\أنتقل الآن الي الرموز في الست التاسعة والعاشرة
الست التاسعة: هي كل ست مصرية عبر العصور
وعنها المرأه لا أجد خيرًا من درس التاريخ…
هذه المرأة العظيمة غير العادية، الزوجة ، و الأم والفلاحة والعاملة عندما أُتيح لها التعليم تفوقت وأجادت، وعندما جلست على عرش مصر في تاريخنا القديم ألهمت وقادت.
هي التي أنجبت حضارة، وربّت أجيالًا، وكانت دائمًا رمانة الميزان للأسرة والمجتمع المصري.
في تاريخنا القديم حكمت حتشبسوت مصر واحد وعشرين عامًا، جعلت خلالها مصر قوة كبرى، وازدهر اقتصادها ازدهارًا يشهد عليه التاريخ ومعابدها التي ما زالت قائمة حتى اليوم.
وعندما غنت المصرية أصبحت كوكب الشرق أم كلثوم، صوتًا تجاوز حدود مصر ليصبح صوت أمة كاملة.
وهي التي قادت أول طائرة في البلاد، وصوتها علا فوق صوت الرجال في ثورة ١٩، وبعدها في ثورة ٣٠ يونيه.
اليوم هي الطبيبة والعالمة والمدرسة والممرضة والفنانة والكاتبة…وما زلت أقول لكل أسرة مصرية:
سلاح بناتكم هو العلم والمعرفة.
فلا شيء يحمي المرأة من ظلم الجهل مثل المعرفة.
إلى كل سيدات مصر…إلى كل آنسات مصر… إلى كل عظيمات مصر…
ماضيكن حضارة، وحاضركن قوة، ومستقبلكن نور يضيء طريق الوطن.
المفاجأة هي الست العاشرة……….
فالآن بعد أن كتبت عن تسع سيدات في حياتي…
وجدت أن هناك ست عاشرة صاحبت هذه الحياة كلها، منذ ولادتي وحتى اليوم.
ست لم تكن فردًا من أسرتي الصغيرة، لكني كنت دائمًا من أسرتها في الزمان والمكان والوجود.
الست العاشرة هي أم الدنيا….
هي الأم التي احتضنت جدتي وأمي،
وفيها كبرت أختي، وعلى أرضها تعلمت زوجتي، وصديقتي ، وفي مدارسها نشأت ابنتي، وفي سمائها تكبر حفيدتي.
هي ليست مجرد أرض نسكنها…بل روح عظيمة تسكن فينا.
إنها ست صبورة مرت عليها قرون من المجد والتعب، لكنها بقيت دائمًا واقفة، تعلم أبناءها أن الحضارة لا تموت، وأن الأمل لا ينطفئ.
ولهذا، وأنا أكتب في شهر المرأة، أقول:
في حياتي عشر ستات…ثمانية من الأحياء واثنتان من الرمزيات ، و أعظمهن جميعًا
هي مصر… أم الدنيا
وأعود الي الست الأولي : هي ست الستات في الحقيقة :
هي الأحب والأعز والأقرب ، الي عقلي وروحي ووجداني …. هي أمي .
كيف إستطاعت هذه الأم أن تكون هذه الموسيقي الحالمة في حياتنا بلا ضجيج، ودون أن تطلب من أي واحد منا شيئًا أبدًا.
هي مصدر الحب، والمودة، والبهجة، والالتزام بيننا . إستطاعت بلا تدخل في شئون أي منَّا أن تكون طرفًا فاعلًا في حياة كل منَا. جعلت حبها لوالدنا، رحمه الله عليه، نموذجًا لكل زوجة في الأسرة ، وجعلت قناعتها وسكينتها تتسلل إلى وجداننا. وبلا طلب ولا سؤال جعلت دوراننا حولها متعة وبهجة وأمان.
هذه هي أمي الجميلة، بل الأجمل في الأسرة.
برقتها ، بأناقتها ، بصمتها ، وابتسامتها.
أحببتك يا أمي وأحبك وأفتقدك بعد رحيلك….
أحب منك رسالة الهدوء و سماحة القبول بيننا، وبلا جهد تَنشرينها.
أحب فيك الصبر والمحبة التي تُعطين ،
أحب فيك استيعابك لنا عبر السنين ،
بلا شكوى أو أنين.
فأنتِ يا أمي كنتي وما زلت إلهام وجداننا، تُشعِّين نورك باستدامة ، بإيماءة ، وحتى بصمْتك أو بابتسامة .
أنا لا أكتب في أمي الآن شعرًا، أنا فقط أصف ما فيها كما هو، وكلماتي لا ترقى إلى حقيقتها.
نحجُّ إليها ولا تدعونا، واذا التقينا بها تروينا بابتسامتها بلا لوم ولا عتاب لمن تأخر أو مَن لا يجيء.
ثمان أمثلة لسيدات ، في حياتي وغالباً مثلهن في حياة كل رجل ، فتعالوا نقول للجدة والأم ، وللزوجة والبنت، وللحفيدة والصديقة والأخت ولكل الستات أنتن أصل الحياة ومكانة المرأة في حياتنا لا مثيل لها





