
قرأت مقالاً حول مولد إبراهيم الدسوقي وتعطل الدراسة في ٣٨ مدرسة، وتأملت الوصف وفكرت في استكمال الصورة.فحين يتزاحم الناس في الموالد، حاملين البخور والأعلام، مردّدين الأذكار أو الأغاني الشعبية، لا يمكن قراءة المشهد بسطحيةٍ تحصره بين إيمانٍ بسيط أو جهلٍ عتيق.
فالمولد، في حقيقته، ليس حدثًا دينيًا خالصًا ولا طقسًا اجتماعيًا بحتًا؛ إنه حالة إنسانية مركّبة، تتقاطع فيها الحاجة إلى الفرح مع الحاجة إلى المعنى، والرغبة في المشاركة مع الخوف من العزلة، والبحث عن البركة مع الهروب من الواقع.
سؤالي كان هل هي العادة أم الحاجة؟
هل تدفع العادة الناس إلى المولد، أم أن الحاجة النفسية والاجتماعية هي المحرك الأعمق؟العادة تُفسّر التكرار، لكنها لا تفسّر الإصرار. فالناس لا يخرجون فقط لأنهم اعتادوا الخروج، بل لأنهم يجدون في المولد ما يعجز المجتمع الرسمي عن منحه: البهجة، والاختلاط، والإنصات، والإحساس المؤقت بالمساواة.إنها لحظة مؤقتة من “التحرر المراقَب”، يتنفس فيها المكبوت الاجتماعي والديني والسياسي، قبل أن يعود الناس إلى واقعهم المثقل بالقيود.
قد ننظر للمولد كتعويض نفسي وقد يكون في عمق الظاهرة بعدٌ نفسي يستحق التحليل.فحين يغيب الأمل الواقعي، يُخلق الأمل الرمزي. وحين تنغلق الأبواب أمام العدالة، يُفتح باب الضريح.الناس لا يقدّسون الوليّ لذاته بقدر ما يبحثون من خلاله عن شعور بالطمأنينة، وعن معنى للمعاناة اليومية.إنه دين الفقراء، وأمل البسطاء حين يعجز النظام عن الحلم.
للعلم فإن الموالد ليست ظاهرة مصرية خالصة، وإن كانت مصر قد منحتها لونها ودفئها واحتفالها الخاص.في الهند تُقام مواسم مشابهة للأولياء والمتصوفة، وفي أمريكا اللاتينية يخرج الناس في “كرنفالات القديسين”، وفي أوروبا تُقام زيارات للحجاج إلى أضرحة القديسين والأبطال الشعبيين.
إنها ظاهرة إنسانية قديمة تعكس ميل الإنسان إلى تحويل الذاكرة المقدّسة إلى طقسٍ اجتماعي حي، وحاجته الدائمة إلى أن يعيش الإيمان لا كفكرة، بل كاحتفاللكنّ ما يجعل الظاهرة في مصر لافتة هو تسييسها واستثمارها.فالدولة، وجدت في الموالد وسيلة “آمنة” لتفريغ الاحتقان الشعبي.المواطن الذي يرقص في حضرة الولي لا يطالب بحقوقه، ومن يفسّر الفقر على أنه قَدَرٌ مقدّس لا يسأل عن العدالة الاجتماعية.
وهكذا يتحول الإيمان من طاقة تحرير إلى أداة ترويض، وتتحوّل الولاية من رمز للصفاء الروحي إلى أفيون اجتماعي بترخيص رسمي بل تُغلق المدارس ودور العلم في الجغرافيا المحيطة وكأنه اعتراف وتأييد من الحكومة.
السؤال هنا: هل علينا كمجتمع مقاومة هذه الظاهرة أم إيجاد ميزة فيها؟المقاومة العنيفة قد تُفقد المجتمع أحد منافذه. النفسية، وتُستبدل الفوضى الدينية بفراغٍ روحي.أما الاستخدام الواعي فيعني توجيه الطاقة الجمعية نحو الخير:أي تحويل الموالد إلى مهرجانات ثقافية تُكرّم رموز الفكر والإنسانية،وتعليم الناس أن البركة الحقيقية ليست في لمس الضريح، بل في العمل والرحمة والعقل.
الإنسان يحتاج إلى الطقس، لكنه يحتاج أكثر إلى وعيٍ يمنحه المعنى وراء الطقس. ولن تنهض الأمم بإلغاء احتفالاتها، بل بإعادة تعريفها.
يرى عالم النفس كارل يونغ أن الإنسان يحمل في أعماقه “لا وعيًا جمعيًا” مشتركًا، يحتوي على الرموز والصور الكبرى التي تعبّر عن خبرة البشر منذ فجر التاريخ.
الوليّ، في هذا السياق، ليس مجرد شخص ديني، بل رمزٌ للأب الحامي والمخلّص، والمولد ليس مناسبة عابرة، بل استدعاء جماعي لتجربة الأمان المفقود.
فحين تضطرب المجتمعات، يعود الناس لا شعوريًا إلى الطقس، إلى الإيقاع الجماعي، إلى الرمز الذي يوحّدهم، حتى وإن كان هذا الرمز من الماضي أو بلا معني في عرف الحداثة .إنه ما يسميه يونغ “عودة الأصل”، أي ارتداد الوعي الجمعي إلى رموزه الأولى حين يعجز الواقع عن منح المعنى.
ولهذا فإن المولد ليس تعبيرًا عن التدين الشعبي، بل عن حاجة نفسية عميقة إلى الانتماء، إلى أن يكون الإنسان جزءًا من جماعةٍ تصلي وتغني وتبكي وتفرح معًا.
في هذا التماهي المؤقت، يجد الفرد ذاته داخل الكلّ، وقد يُشفى قليلًا من اغترابه اليومي في تجمعات فقدت روحها.
الطقس الديني في جوهره ليس خطأ، بل هو لغة رمزية تعبّر بها النفس عن احتياجاتها الوجودية.الخطر يبدأ حين يتحوّل الطقس إلى بديلٍ عن الوعي، وحين تُستبدل المسؤولية الفردية بالإتكالية الجماعية.
من هنا لا يكون الحل في محاربة الموالد، بل في إحياء معناها الإنساني، وجعلها منابر للتعليم، والوعي، والرحمة، بدل أن تكون مسارح للغيبوبة الروحية.
إن كل طقسٍ متكرر بلا وعي، هو دوران في الفراغ، أما حين يُضاء بالمعرفة، فإنه يتحول إلى طاقة خلقٍ جماعية.الوعي هو ما يميّز بين الإيمان المحرّر والإيمان المقيّد، بين أن نعبد الله في السماء أو أن نُسجن في الأرض باسمه.حين يفهم الناس أن البركة ليست في الأضرحة بل في العقول، وأن الذكر الحقيقي هو وعيٌ بالمسؤولية لا مجرد ترديدٍ للألفاظ، يمكن للموالد أن تُبعث من جديد كأعيادٍ للروح، لا كغيبوبةٍ للجماهير.
إن مهمة المفكر ليست أن يهدم الموالد، بل أن يوقظ النور الذي في القلوب حتى يصبح الاحتفال بالله احتفالًا بالحياة ذاتهاالإنسان لا يبحث في الطقس عن الله بقدر ما يبحث عن نفسه، فإذا وجد الوعي، صار كل طقسٍ طريقًا إلى الخلق، وإذا غاب الوعي، صار كل طقسٍ دائرةً من الدوران حول العدم.
إن الله لا يُدرك في الزحام ولا في البخور، بل في يقظة الوعي التي تخلق العالم من جديد في كل لحظة.

