الأهرامبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ”الأهرام” … ملاحظات حول حرية العقيدة فى الدستور

فى اللحظة التى يضع فيها الدستور يده على قلب الوطن ليقسم بالمساواة، يتسلّل إليه تناقض يشبه الشق فى المرايا: يعلن أن حرية العقيدة مطلقة، ثم يقيد ممارستها فى الجملة التالية بعبارة للأديان السماوية. هنا يتوقف العقل أمام مفارقة فادحة: كيف تكون الحرية مطلقة ومشروطة فى آنٍ واحد؟ وكيف يُختزل حق الإنسان فى الإيمان أو اللاإيمان فى قائمة معتمدة من الدولة؟ أولًا، النص يتناقض مع ذاته، فالمادة (64) من الدستور تنص على أن حرية العقيدة مطلقة، لكنها تضمن فقط حرية إقامة الشعائر للأديان السماوية. هذا النص فى ذاته ينقض ذاته. فالحرية إن كانت مطلقة، فلا مجال لتصنيفها أو تقييدها بمعتقد دون آخر.

كما أن حصر ممارسة الشعائر فى الديانات السماوية لا يمثل حماية للتعدد الدينى، بل تجريمًا لما سواه. فهو يضع الدولة فى موضع الوصى على الضمائر، ويجعلها تتصرف كما لو أن الاعتقاد قرار إدارى يخضع لترخيص رسمى، لا انبثاق ذاتى من الوعى الإنسانى الحر.

وثانيًا، فإن مفهوم المواطنة فى مأزق. المواطنة لا تُمنح ولا تُسحب، بل تُفترض بحكم الانتماء الإنسانى للوطن. لكن عندما يميّز الدستور بين المواطنين فى حرية الاعتقاد، يصبح الانتماء نفسه مشروطًا بالعقيدة، لا بالولاء للوطن.

بهذا المعنى، يتحوّل الدين من تجربة روحية إلى بطاقة عبور مدنية، ومن علاقة بين الإنسان وخالقه إلى علاقة بين المواطن والموظف المختص فى مصلحة الأحوال المدنية. ولعلّ المفارقة الأكبر أن نفس الدستور يجرّم التمييز بسبب الدين (المادة 53)، لكنه يشرّعه ضمنيًا فى نص آخر. وهذه هى أزمة الضمير الدستورى فى مصر الحديثة.

وثالثًا، فإن الفلسفة قد غابت. فحرية العقيدة فى جوهرها، ليست مسألة قانونية بل قضية وعى فلسفي. إن حرية الإنسان فى أن يؤمن أو لا يؤمن، وأن يختار لنفسه معنى الوجود، هى ما يجعله إنسانًا. حين تتدخّل الدولة فى هذا الفضاء الداخلى، فهى لا تنتهك القانون فقط، بل تتعدى على منطقة الوعى المقدسة. والمجتمع الذى يحدد للإنسان ماذا يؤمن، هو نفسه المجتمع الذى سيحدد له لاحقًا كيف يفكر، وكيف يحب.

ورابعًا، فإن المواطنة قبل العقيدة. أعظم الدساتير ليست تلك التى تحدد للناس أديانهم، بل تلك التى تضمن لهم حق الاختلاف فى الإيمان دون خوف. فى الدولة المدنية الحقيقية، الدين لله والوطن للجميع. أما حين يُصبح الدين شرطًا للمواطنة الكاملة، فإننا أمام نظام يختزل الإنسان فى معتقده، ويقيس انتماءه بمقياس الإيمان الرسمى لا المشاركة الوطنية. هذا هو المنحدر الذى يبدأ باسم حماية العقيدة وينتهى باسم إقصاء البشر.

وخامسًا، فثمة حاجة لضمير دستورى جديد: نحن لا نحتاج إلى نصوص جديدة بقدر ما نحتاج إلى ضمير يقرأ النصوص بصدق. حرية العقيدة لا تكتمل إلا حين تُحترم فى أضعف صورها: حين نكفلها لمن نختلف معهم، لا لمن يشبهوننا. الدستور بحاجة إلى مراجعة فلسفية لا لغوية، تضع الإنسان فى مركز النص، لا المؤسسة الدينية، وتجعل المواطنة أسبق من الهوية العقائدية. فإن لم نفعل، سنظل نعيش فى تعارض دستورى وقانونى، يقدّس المبدأ وينقضه فى السطر نفسه، ويظل الوطن حائرًا بين نصوصه، والمواطن مهددًا فى صميم إنسانيته.

فيا من تكتبون الدساتير بأقلامٍ تنبض باسم الوطن، تذكّروا أن حرية العقيدة ليست مِنّة من الدولة تُمنح أو تُسحب، بل هى أصل الكرامة الإنسانية التى تسبق القوانين وتعلوها. وأن الله، الذى خلق العقل، لم يفرض الإيمان قسرًا، فكيف يفعل الإنسان ذلك باسم الدستور؟.

بالمناسبة، لمن بدأ فى تصنيفى وتكفيرى لمجرد تأكيدى حرية العقيدة بعد قراءةً الجزء الأول من المقال، فأنا مسلم بعقلى الذى جعلنى احترم كل الديانات والمعتقدات ولا اقصرها على دين بعينه.

إن الشريعة الإسلامية، حين تُقرأ فى ضوء مقاصدها لا فى أسر تأويلات متحجرة، تتكشف باعتبارها جزءًا من مشروع إنسانى كونى، تشترك فيه كل الرسالات التى سعت إلى تحرير الإنسان من الظلم، والخوف، والعبث. أما الصراعات باسم الدين، فهى غالبًا نتاج فهم بشرى قاصر، لا تعبيرا عن جوهر الإيمان. والشرائع تختلف فى الشكل، لكنها تلتقى فى الغاية: إنسان أكثر عدلًا، أكثر وعيًا، وأكثر رحمة. لا مجال للتفرقة بين المواطنين باسم الدين.

جزء من احترامى لأكثر من نصف البشرية الذين يعيشون على كوكب الأرض، الذين لا يؤمنون بالإسلام والمسيحية واليهودية يقودنى اليً الاعتراف بالقيم الإنسانية السوية التى سبقت الأديان مهما يكن مصدرها.

الإسلام دين الحرية «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».

مجرد الاختلاف فى تعريف كلمة، دون معرفة أصلها، أو الانقياد لمفهوم أيديولوجى أو دينى قد يؤدى الى كوارث. لابد من أن يتسع الصدر والعقل للفهم أولاً، والبحث وراء معانى وتعريفات الألفاظ ثانياً، قبل الوصول أساساً الى أن هناك اختلافًا من عدمه.

لقد جاءت رسالة الإسلام لتؤكد أن الله واحد، والوصول إليه يكون بالمعرفة المباشرة .. وليس عن طريق الوسطاء وبأى لغة وبأى طريقة وفى كل وقت. أؤكد أن الإسلام دين الحرية ولا يصح ان نسلب من كل مَن هو غير مسلم هويته المصرية بأى شكل.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى