
حضرت اليوم عرض مسرحية “الملك لير” الرائعة علي خشبةً المسرح القومي، بطولة الاسطوره يحيي الفخراني والمبدع طارق الدسوقي ، وإخراج العالمي شادي سرور
أنا هنا لا أجامل أحداً بل أصف ما شاهدته.
هذا عرض مسرحي محترف ، باللغة العربية الفصحي ، بنسيج مسرحي مبهر ، بين الديكور والموسيقي وحركةً الممثلين ورشاقتهم وتمكنهم ، وتمثيلهم الذي كان مذهلا لي. الكل أداؤه كان مبهراً، ولازم أتكلم هنا علي الديكور والأضاءه والموسيقي الذي كونوا بريشة المخرج صور مذهلة في الجمال والاحترافية.
تدور قصة “الملك لير” التي كتبها وليم شكسبير حول ملكٍ عجوزٍ يقرر، في خريف عمره، أن يقسّم مملكته بين بناته الثلاث تبعاً لمقدار ما يُبدين له من حبّ وولاء بالقول، فتفوز الكبريان “جونريل” و”ريجان” بنصيبهما عبر الرياء والمجاملة، بينما تصدق الصغرى “كورديليا” فتصمت عن المبالغة، فيغضب منها أبوها ويحرمها ميراثها.
ومن هذا القرار المتسرّع تنهار مملكة لير، وينهار معه عقله، ليجد نفسه هائماً في العراء بين الجنون والحكمة، ويكتشف متأخراً معنى الحب الحقيقي مقابل زيف الكلام المعسول، وقيمة الإخلاص في زمن الخديعة.
وتتقاطع مع هذا الخط الرئيسي حكاية موازية، حكاية “غلوستر” الذي قام به بأداء رفيع المستوي طارق الدسوقي ، وابنيه “إدجار” الشرعي و”إدموند” غير الشرعي،
الممثلان أحمد عثمان و تامرالكاشف وكانا عملاقين.
هذا العرض ، هو الإنتاج الثالث لمسرحية “الملك لير” على يد يحيى الفخراني نفسه، بعد أن قدّمها أول مرة عام 2001، ثم أعاد تقديمها عام 2019، ليعود إليها اليوم في تجربة غير مسبوقة في تاريخ المسرح المصري، محمّلاً بخبرة السنين ونضج التجربة.
ويُعرض العمل على خشبة المسرح القومي بترجمة استثنائية للدكتوره فاطمة موسى، وديكور حمدي عطية، وإضاءة الحسين “كاجو”، وموسيقى أحمد الناصر، واستعراضات ضياء شفيق..
إلى جانب يحيي الفخراني و طارق الدسوقي كان هناك بمقدرة فائقة حسن يوسف وأمل عبد الله وإيمان رجائي وآخرين…
لفت نظري حركة الممثلين السلسة علي المسرح ، ورشاقة تمثيلهم للمعارك والموت ، والصور البديعة لمجموعات صغار الممثلين في الغابة حول الملك لير عندما طردته ابنته وسط العواصف والأمطار.
أؤكد للقراء أن هذا عمل يستحق الإشادة والتقدير وأدعوكم لمشاهدة فن راقي علي خشبة المسرح القومي وأرفع القبعة لهذه المجموعة من الفنانين.
الملك لير في زمن ثقافة جيل “زد”
خرجتُ من المسرح القومي بعد مشاهدتي “الملك لير” وفي ذهني ليس فقط بهاء العرض الممتع، بل سؤالان ظلّا يلحّان عليّ طوال الطريق إلى البيت.
السؤال الأول: ماذا لو جلس أحد أبناء جيل “زد” على ذلك الكرسي؟ عرضٌ يمتد لأكثر من ساعتين ونصف، في مكانٍ واحد، لا يملك فيه المشاهد أن يوقفه، أو يقدّمه، أو يغادر منتصفه إلى مشهدٍ آخر أكثر إثارة. هذا الجيل، الذي تشكّل وعيه على منصّاتٍ تمنحه محتوى مضغوطاً في ستين ثانية، وتسمح له بالتمرير بإصبعه في اللحظة التي يشعر فيها بأدنى ملل – كيف يتعامل مع فنٍّ لا يعترف أصلاً بفكرة “التمرير”؟ هل ما نراه تراجعاً في الذوق، أم أننا نطلب من عقلٍ تشكّل على إيقاعٍ مختلف تماماً أن يتكيّف مع إيقاعٍ لم يعد إيقاعه؟
والسؤال الثاني أعمق، ويخصّ الأجيال الأكبر أيضاً، لا جيل “زد” وحده: كيف نفسّر أننا، نحن الذين يُفترض أننا “تحضّرنا” وتغيّرت قيمنا وتشريعاتنا وأخلاقنا العامة. ما زلنا نجلس مأخوذين أمام دراما مات فيها الملك، وماتت ابنتاه وأزواجهما، وتشابكت الخيانات حتى بدا بعضها في لحظاتٍ أقرب إلى الكوميديا السوداء منه إلى المأساة الخالصة؟ هذا نصٌّ من القرن السابع عشر، فلماذا لا نزال نتعرّف فيه على أنفسنا؟
الإجابة التي خرجتُ بها من العرض هي أنني لم أجد فارقاً حقيقياً بين عنف تلك الدراما التي كُتبت قبل أربعمائة عام، وبين الدراما التي يعيشها الإنسان في القرن الحادي والعشرين. الأبناء الذين يتنازعون الميراث، والأخوة الذين يتآمرون، والسلطة التي تُبنى على الكلام المعسول لا على صدق المشاعر، والأب الذي يكتشف متأخراً من أحبّه حقاً ومن جامله فحسب – كل هذا لم يتغيّر، تغيّرت فقط الوسائط التي تُروى بها القصة: من خشبة مسرحٍ إلى شاشة هاتف، ومن فصلٍ شعريٍّ إلى تغريدة.
وهنا يلتقي السؤالان في نقطةٍ واحدة: ما تغيّر ليس جوهر الدراما الإنسانية، بل قدرتنا نحن – وجيل “زد” في المقدّمة – على البقاء معها دون انقطاع. لم يعد السؤال “هل ما زالت خيانة إدموند لأبيه وأخيه تُحرّك فينا شيئاً؟”، فالجواب نعم، بدليل أن قاعة المسرح كانت ممتلئة صامتة الأنفاس.
السؤال الحقيقي هو: هل ما زلنا قادرين على أن نمنح قصةً واحدة ساعتين ونصف متصلتين من انتباهنا، أم أن الشاشة الصغيرة أعادت تشكيل أدمغتنا بحيث لم يعد “التركيز الممتد” مهارةً طبيعية، بل تدريباً نحتاج أن نستعيده، كما نستعيد عضلةً أُهملت طويلاً؟
ولعل في هذا سرّ قيمة أن يظل مثل هذا العرض قائماً على خشبةٍ حقيقية، لا مسجّلاً على شاشة. فالمسرح، بخلاف أي وسيطٍ آخر، يفرض على الجالس أمامه عقداً صامتاً: إما أن تبقى معي حتى النهاية بكل ما فيّ من امتدادٍ وثقل، أو تغادر. وربما كانت هذه المقاومة بالذات – مقاومة الاستسلام لثقافة الدقيقة الواحدة – هي أعظم ما يقدّمه شكسبير لجيل “زد” اليوم، أكثر حتى من حكاية الملك ونكرانه وابنتيه.
وأنا، وأنا أراقب أحفادي وأبناء جيلهم في البيت، ألمس هذا الفارق يومياً دون أن أحتاج إلى دراسةٍ تؤكده: طفلٌ يستطيع أن يظل ساعاتٍ أمام شاشة، لكن نادراً ما تكون تلك الساعات “متصلة” بمعنى المسرح، بل مقسّمة إلى عشرات المقاطع، كل واحدٍ منها عالمٌ قائمٌ بذاته، ينتهي قبل أن يبدأ التالي.
ولستُ هنا في معرض اللوم، فأنا لا أملك أن أطلب من جيلٍ وُلد داخل هذا الإيقاع أن يتصرف وكأنه وُلد قبله. لكنني أعترف أنني، وأنا أشاهدهم، أشعر بشيء من الغيرة الطيبة: غيرة رجلٍ عاش زمناً كانت فيه القصة تُروى كاملة، من أولها إلى آخرها، دون أن يُقاطعها أحد، وربما لهذا كان “الملك لير”
بالنسبة لي أمسية استعادةٍ ومتعة ، لا مجرد أمسية مسرح.




