
أفتح تطبيق الواتساب أحياناً فأجد عشرات الرسائل المنقولة يوميا تتراكم في جروبات لا أتذكر متى انضممت إليها. بعضها إرادياً، وبعضها الآخر جاءني من غير قصد. كلها تتحدث عن موضوعات شتى: سياسة واقتصاد وصحة ودين وأمثال وقصص وحكم. كلها “ مهمة”، وكلها “يجب أن تُقرأ”، وكلها تصلني بنفس الإلحاح.
في البداية كنت أفتحها واحدة تلو الأخرى. ثم بدأت أتصفحها بسرعة. ثم صرت أتجاهل معظمها. واليوم أشعر أن كثرتها نفسها قد أفقدتها قيمتها.
هذه ليست مشكلة تقنية فقط، بل ظاهرة ثقافية عميقة. فالوفرة الزائدة تُنتج عكس ما يُتوقع منها . بدل أن تزيد من معرفتنا، تُشتت انتباهنا. وبدل أن تمنحنا خيارات أفضل، تجعل التمييز أصعب. يصبح النفيس مدفوناً تحت ركام من التكرار، ويصعب على القارئ أن يعرف أين يتوقف، وماذا يستحق الوقت، وماذا يمكن أن يُمرَّر دون أسف.
التكرار نفسه يفقد المعنى. الفكرة التي كانت تُثير التأمل في المرة الأولى، تصبح في المرة العاشرة مجرد ضجيج مألوف. والنص الذي نُقل عشرات المرات يفقد نضارته، حتى لو كان أصله جيداً. ومع الوقت، يعتاد العقل على المرور السريع، فلا يعود يتوقف أمام ما يستحق التوقف.
هنا تكمن المفارقة: نحن نعيش في عصر يتيح لنا الوصول إلى كمّ هائل من الأفكار، لكن قدرتنا على استخراج القيمة منه تتراجع. لأن القيمة لا تأتي من الكم، بل من الانتقاء. والانتقاء يحتاج إلى وقت وهدوء ووعي، وهي أمور نادرة في عالم الرسائل المتدفقة بلا توقف.
المشكلة لا تقتصر على الواتساب. إنها تعكس حالة أوسع في الخطاب العام. حين يصبح كل شيء متاحاً بسهولة، يفقد الكثير من الأشياء وزنها. وحين يتساوى النفيس مع التافه في سرعة الوصول، يصعب على العقل أن يبني سلماً للأولويات. فيتحول القارئ من باحث عن معنى إلى مستهلك لمحتوى، ومن متأمل إلى متصفح.
ربما يكون الحل ليس في الانسحاب الكامل، بل في إعادة اكتشاف فن الاختيار. أن نسأل أنفسنا قبل أن نفتح الرسالة: هل هذا يستحق دقائق من حياتي؟ وأن نسمح لأنفسنا بتجاهل معظم ما يصلنا دون شعور بالتقصير. فالقيمة الحقيقية لا تضيع لأننا لم نقرأ كل شيء، بل تضيع حين نفقد القدرة على معرفة ما يستحق أن يُقرأ.
في زمن الوفرة، يصبح الندرة موقفاً أخلاقياً. والاختيار الواعي هو آخر ما تبقى لنا من سيطرة على ما يدخل عقولنا.





