
قراءة في كتاب الانفجار العظيم عصر النهايات
نهاية ما نعرفه لا نهاية الوجود
بقلم حسام بدراوي
هناك كتب تحاول التنبؤ بما سيحدث غدًا، وكتب أخرى تنظر إلى ما يحدث أمامنا، ثم تكشف أننا لم ندرك بعد دلالته. وينتمي كتاب «الانفجار العظيم: عصر النهايات» للباحث والمفكر المغربي إدريس أوهلال إلى النوع الثاني.
لا يقدم الكتاب نبوءة عن نهاية العالم، ولا يتحدث عن انفجار كوني جديد. إنه يرصد التحولات التي أصابت مؤسسات وأفكارًا اعتاد الإنسان الحديث أن يراها ثابتة، حتى ظن أنها ستبقى إلى الأبد. يتحدث المؤلف عن نهاية المدرسة والجامعة والشهادة، والمثقف والإعلام التقليدي، والأسرة والخصوصية والطبقة الوسطى، والسوق والنقود والوظيفة العامة، والسياسة والقيادة والديمقراطية، وصولًا إلى نهاية الغرب كما عرفناه.
تبدو هذه القائمة كأنها إعلان عن انهيار العالم، لكن أوهلال يضعنا أمام نهاية دورة تاريخية وبداية دورة أخرى. فالنهاية عنده لا تعني الفناء، وإنما فقدان الأشكال القديمة قدرتها على أداء وظائفها في عالم تغيرت قواعده.
الكاتب والكتاب
إدريس أوهلال باحث وخبير مغربي في القيادة والاستراتيجية وإدارة الأداء والتغيير. جمع في أعماله بين البحث الفكري والخبرة العملية في إدارة المؤسسات والتحولات. وتظهر هذه الخلفية في الكتاب؛ فهو لا يعالج التغيير بوصفه موضوعًا فلسفيًا مجردًا، بل قوة تفرض على الأفراد والمؤسسات إعادة النظر في أدوارهم واستعدادهم للمستقبل.
صدر الكتاب في طبعته الأولى سنة 2021 عن مجموعة الأكاديميات الدولية، ويقع في 187 صفحة. وجاء في أعقاب جائحة كورونا، حين اكتشف العالم أن مؤسسات بدت راسخة يمكن أن تتوقف فجأة، وأن التعليم والعمل والتجارة والتواصل الإنساني قد تنتقل خلال أسابيع إلى صور لم نكن نتصورها.
قسم المؤلف كتابه إلى ستة مجالات: التعليم، والثقافة والإعلام، والمجتمع، والاقتصاد، والسياسة، يسبقها فصل عن «فقه النهايات» وتتبعها خاتمة عن بداية دورة تاريخية جديدة. وهو يؤكد منذ البداية أن هذه النهايات أمثلة وليست حصرًا، وأن الغرض منها تكوين وعي مزدوج بما يرحل وبما يولد.
الفكرة المركزية
ينطلق أوهلال من أن مؤسسات كثيرة صنعتها ظروف تاريخية محددة، لكن طول بقائها جعلنا نتعامل معها كأنها حقائق طبيعية. فالمدرسة ليست التعليم ذاته، والجامعة ليست المعرفة، والشهادة ليست الكفاءة، والصحيفة ليست الإعلام، والنقود الورقية ليست القيمة، والبرلمان لا يختصر السياسة كلها.
المؤسسة أداة ابتكرها الإنسان لأداء وظيفة. فإذا عجزت عن وظيفتها، أو ظهرت أداة أكثر كفاءة، بدأت تفقد احتكارها وإن ظلت قائمة. لذلك لا تعني نهاية المدرسة اختفاء التعليم، بل تراجع نموذج يقدم المحتوى نفسه لتلاميذ مختلفين ثم يقيسهم بامتحان موحد. ولا تعني نهاية الجامعة اختفاء البحث، بل تراجع احتكارها للتعلم والاعتراف بالكفاءة. كما لا تعني نهاية الإعلام اختفاء الخبر، بل انهيار احتكار المؤسسات التقليدية لإنتاجه وتوزيعه.
يستخدم المؤلف «الانفجار العظيم» استعارة للحظة تتفكك فيها النظم القديمة من داخلها. وهي استعارة موفقة من زاوية أن الانفجار العظيم في الفيزياء لم يكن نهاية الكون، بل بداية الكون الذي نستطيع رصده. ومع ذلك، لا تخضع المجتمعات لحتمية الظواهر الكونية. فقد تتغير المدرسة ولا تختفي، وقد تفقد الجامعة احتكار المعرفة وتحتفظ بوظيفتها البحثية، وقد تتبدل الأسرة من دون أن تنتهي حاجة الإنسان إلى الانتماء. ومن ثم أقرأ كلمة «النهاية» في الكتاب جرس إنذار، لا حكمًا نهائيًا بالإعدام.
قراءتي الفلسفية لما وراء الفكرة
قادني الكتاب إلى سؤال أعمق من توقع مصير المؤسسات: ماذا نعني بكلمة النهاية؟ هناك نهاية تعني الفناء، وأخرى تعني التحول، وثالثة تعني فقدان الهيمنة. وقد تكون النهاية مجرد عجزنا عن تخيل ما سيأتي بعد العالم الذي ألفناه.
في تقديري، لا تتحدث معظم فلسفات النهايات عن نهاية المطلق، بل عن نهاية صورة تاريخية ظننا أنها الحقيقة النهائية. ومن هنا تلتقي أطروحة أوهلال، رغم اختلاف السياق، مع عبارتين شهيرتين: «موت الإله» عند نيتشه و«نهاية التاريخ» عند فرانسيس فوكوياما.
موت الإله عند نيتشه
عندما قال نيتشه «مات الإله»، لم يكن يصف موتًا حرفيًا؛ فالمطلق، بحكم تعريفه، لا يولد ولا يموت. كان يشخص انهيار المرجعية الدينية والميتافيزيقية التي استمد منها الإنسان الأوروبي تفسير العالم وأساس الأخلاق.
رأى نيتشه أن العلم والعقل النقدي أضعفا سلطة المعتقد القديم، لكن الإنسان لم يدرك بعد حجم الفراغ الذي سيتركه. فإذا فقد المصدر الذي استمد منه معاني الخير والشر والغاية، فمن أين يأتي بالقيم؟ وهل يستطيع أن يخلق معنى جديدًا، أم يسقط في العدمية؟
إذن، كان «موت الإله» موتًا لصورة تاريخية للمقدس داخل الوعي الغربي، لا برهانًا على انتهاء المطلق. وقد تسقط صورة صنعها البشر للإله، بينما يظل سؤال الإيمان والمعنى قائمًا، وربما يولد فهم أكثر اتساعًا وأقل ارتباطًا بالمؤسسات التي ادعت احتكاره.
نهاية التاريخ عند فوكوياما
لم يقصد فوكوياما أن الزمن والأحداث سيتوقفان. رأى بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أن الصراع حول أفضل نظام للحكم ربما وصل إلى محطته الأخيرة بانتصار الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق.
لكن العقود التالية أظهرت أن الذي انتهى لم يكن التاريخ، بل مرحلة من تصورنا لمساره. عادت الحروب والقوميات والشعبوية، وصعدت قوى لا تتبنى النموذج الغربي، وتراجعت الثقة في الديمقراطية داخل بعض مجتمعاتها. كما ظهرت سلطة المنصات والخوارزميات التي تستطيع توجيه الرأي العام من خارج المؤسسات السياسية التقليدية.
كان الخطأ هو تحويل انتصار نموذج في لحظة تاريخية إلى نهاية مطلقة. فالمنتصر يميل إلى اعتبار انتصاره خاتمة التاريخ، لكن التاريخ لا يعرف صيغة نهائية لاجتماع البشر.
الوسائل ليست الحقائق
هذا هو المفتاح الذي أقرأ به نهايات أوهلال. نهاية المدرسة ليست نهاية التعلم، ونهاية الجامعة ليست نهاية المعرفة، ونهاية الصحافة ليست نهاية الحاجة إلى التحقق من الوقائع، ونهاية الأسرة التقليدية ليست نهاية الحب والرعاية والانتماء. وحتى تعثر الديمقراطية لا يلغي توق الإنسان إلى الحرية والمشاركة والمساءلة.
المشكلة أننا نخلط بين الأداة والغاية. نظن أن المدرسة هي التعليم، وأن المؤسسة الدينية هي الإيمان، وأن الدولة هي الوطن، وأن البرلمان هو الديمقراطية، وأن الشهادة هي المعرفة، وأن النقود هي الثروة. وحين تتصدع الأداة، نتصور أن الحقيقة نفسها انهارت.
لكن الأدوات ليست الحقيقة. قد تنهار مؤسسة دينية ويبقى الإيمان، وقد تسقط أيديولوجية ويبقى بحث الإنسان عن العدالة، وقد ينتهي نظام سياسي ويبقى التطلع إلى الحرية. وما ينتهي في كل مرة هو تجسيد تاريخي صنعه البشر، لا القيمة التي حاول التعبير عنها.
الذكاء الاصطناعي ونهاية تعريف قديم للإنسان
جاء الصعود السريع للذكاء الاصطناعي بعد صدور الكتاب ليمنح أطروحته بعدًا جديدًا. فإذا استطاعت الآلة أن تكتب وتحلل وتترجم وتصمم وتشرح، فهل نواجه نهاية الكاتب والمعلم والطبيب والمثقف، أم نهاية تعريف قديم لهذه المهن؟
لا أرى الذكاء الاصطناعي نهاية للإنسان، لكنه قد ينهي دور الإنسان الذي يكرر ما تستطيع الآلة إنجازه بسرعة أكبر. وقد يدفعنا إلى إعادة اكتشاف ما هو أكثر إنسانية: الخيال والحكمة والضمير والتعاطف وصناعة المعنى.
غير أن النتيجة ليست مضمونة. فالتكنولوجيا التي تحرر المعرفة تستطيع أيضًا أن تصنع المراقبة، والمنصة التي تمنح الجميع صوتًا قد تغرق الحقيقة في الضوضاء. لذلك لا يحدث المستقبل وحده؛ تصنعه القرارات والقيم وموازين القوة.
نهاية عالم لا نهاية العالم
خرجت من الكتاب بأن التاريخ حركة متصلة من موت الأشكال وميلاد غيرها. «موت الإله» عند نيتشه كان نهاية سلطة صورة تاريخية للمقدس، و«نهاية التاريخ» عند فوكوياما كانت نهاية متخيلة للصراع على نموذج الحكم، و«عصر النهايات» عند أوهلال هو أفول مؤسسات فقدت قدرتها على احتكار وظائفها.
إنها جميعًا تتحدث عن نهاية ما نعرفه، لا نهاية ما يمكن أن يكون. فالإنسان يرى المطلق من خلال صور وتعريفات ومؤسسات يصنعها داخل التاريخ. وحين تنتهي إحدى هذه الصور، لا تنتهي الحقيقة؛ الذي ينتهي هو طريقتنا القديمة في تمثلها.
قيمة الكتاب، في رأيي، أنه يدعونا إلى التمييز بين ما يجب أن نحافظ عليه وما ينبغي أن نسمح له بالتغير. نحن لا نعيش نهاية العالم، بل نهاية عالم اعتدنا عليه. ولا نشهد نهاية الإنسان، بل نهاية تعريف ضيق لدوره. ولا نقف عند نهاية التاريخ، بل عند نهاية فصل منه.
أما الحقيقة، وتوق الإنسان إلى المعرفة والحرية والحب والمعنى، فلا تنتهي بانتهاء الأدوات التي عبرت عنها. إنها تبحث في كل عصر عن صور جديدة تولد فيها.




