
قراءة في كتاب
«دستور الأخلاق في القرآن»�من طاعة الأمر إلى يقظة الضمير
لمحمد عبد الله دراز
بقلم�حسام بدراوي
ما الذي يجعل الإنسان أخلاقيًّا؟ هل هو الخوف من العقاب، أم انتظار الثواب، أم اقتناع داخلي بأن العدل يستحق أن نلتزمه، حتى عندما يخالف مصالحنا؟ وهل يكفي أن يعرف الإنسان ما هو الخير لكي يفعله، أم أن المسافة بين المعرفة والسلوك هي ميدان الاختبار الحقيقي؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى كتاب «دستور الأخلاق في القرآن» لمحمد عبد الله دراز؛ وهو عمل ينقل الحديث عن الأخلاق من تعداد الفضائل إلى البحث في الأسس التي تجعل الإنسان مسؤولًا عن اختياراته.
كان دراز، المولود عام 1894 والمتوفى عام 1958، عالمًا أزهريًّا مصريًّا جمع بين دراسة التراث الإسلامي والتكوين الفلسفي في فرنسا. وقدّم أصل هذا الكتاب باللغة الفرنسية إلى جامعة السوربون، ونال الدكتوراه عام 1947، ثم نقل الكتاب إلى العربية الدكتور عبد الصبور شاهين. وتبدو في هذا المسار ملامح مشروعه: قراءة القرآن بعمق العالم بتراثه، ومحاورة الفلسفة بأدوات الباحث الذي يعرف أسئلتها. (azhar.eg, muslim-library.com)
لم يكتفِ دراز بجمع الآيات التي تدعو إلى الصدق والرحمة والعدل، بل سعى إلى استخلاص بناء أخلاقي مترابط، تدور دراسته النظرية حول خمسة محاور: الإلزام، والمسؤولية، والجزاء، والنية والدوافع، والجهد. ويستكمل ذلك بجانب عملي يتناول الأخلاق في حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والعلاقة بالله. فالسؤال عنده يتجاوز: ماذا ينبغي أن نفعل؟ إلى: لماذا نلتزم، ومتى نُسأل، وبأي دافع نعمل؟ (tafsir.net)
وأرى أن أهمية هذا المدخل تبدأ من استعادة الإنسان بوصفه كائنًا يختار، ويتحمل تبعة اختياره. فمن السهل أن نصنع سلوكًا منضبطًا تحت المراقبة، لكن الأصعب أن نبني ضميرًا يظل يقظًا عندما تغيب العيون.
وهنا تبرز علاقة الأخلاق بالحرية. يخصص دراز في بحث المسؤولية مكانًا لشروطها، ومنها الحرية والطابع الشخصي للمساءلة. ومن هذه العلاقة أنطلق إلى تأمل أراه أساسيًّا: إذا سلبنا الإنسان قدرته على الاختيار، فكيف نطالبه بالمسؤولية الكاملة عن أفعاله؟ وإذا ربيناه على اتباع الآخرين دون تفكير، فكيف نتوقع منه شجاعة الاعتراض عندما يخطئون؟ (najafdesertlibrary.com)
إن التربية الأخلاقية التي أفهمها تحتاج إلى شرح ومناقشة وممارسة. فالطفل الذي يفهم لماذا يؤذي الكذبُ الثقةَ بين الناس، يملك أساسًا أعمق للصدق من طفل تعلّم فقط أن الكذب سيعرّضه للعقاب. وقد يجتمع الفهم مع الخوف من العاقبة، لكن نضج الضمير يظهر حين تصبح القيمة جزءًا من اقتناع الإنسان بنفسه وبحقوق غيره.
وتقودني قراءة الكتاب إلى سؤال آخر: هل تتحول الفضيلة إلى صفقة إذا ارتبطت بالثواب؟
يعالج دراز الجزاء في مستوياته الأخلاقية والقانونية والإلهية، ويبحث كذلك دوافع العمل؛ وهو ما يفتح مجالًا لفهم أوسع من اختزال السلوك في حساب الربح والخسارة. (najafdesertlibrary.com) وأتصور أن الإنسان قد يبدأ رحلته بالخوف أو الرجاء، ثم يتعمق وعيه فيرى في العدل قيمة يحبها، وفي الرحمة معنى يريد أن يكون جزءًا منه. لا يختفي إيمانه بالجزاء، لكن علاقته بالخير تصبح أغنى من انتظار المقابل.
وفي قوله تعالى: «لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا» (الإنسان: 9)، معنى إنساني بالغ الرقي: أن تصل المساعدة إلى محتاجها دون أن تتحول إلى دين معنوي نطالبه بسداده بالامتنان والطاعة. فكم من عطاء أفسدته رغبة صاحبه في السيطرة على مَن أحسن إليه!
ثم تأتي النية، ذلك العالم الداخلي الذي قد يجعل فعلين متشابهين في الظاهر مختلفين في القيمة. قد يتبرع إنسان رحمةً، ويتبرع آخر طلبًا للنفوذ؛ وقد يقول أحدنا الحقيقة دفاعًا عن حق، ويستخدمها آخر لإذلال إنسان.
لكن حسن النية لا يعفينا من مسؤولية الوسيلة والنتيجة. ومن موقعي طبيبًا، أرى أن الرغبة الصادقة في إنقاذ مريض تستلزم علمًا وكفاءةً وتقديرًا للعواقب. وكذلك المربي والمسؤول وصاحب القرار؛ فلا يكفي أن نقول إننا أردنا الخير، ثم نغلق باب المراجعة أمام الضرر الذي أحدثناه. النية تمنح الفعل بُعده الداخلي، ويظل إتقانه واحترام حقوق الآخرين اختبارًا لا غنى عنه.
أما الجهد، وهو أحد محاور الكتاب، فيذكرني بأن الأخلاق ليست صفة نعلن امتلاكها إلى الأبد. إنها ممارسة تتجدد مع كل امتحان. قد يكون الصدق سهلًا حين يخدم مصلحتي، ثم يصبح شاقًّا حين يكشف خطئي. وقد تبدو الرحمة طبيعية مع مَن أحب، ثم تحتاج إلى مقاومة للنفس حين يتعلق الأمر بمَن أختلف معه.
هنا أجد في الآية: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ» (المائدة: 8)، امتحانًا عميقًا للضمير. فالعدل يُطلب حتى مع مَن نبغضهم. والخصومة لا تمنحنا ترخيصًا بالكذب، كما أن الانتماء لا يمنح جماعتنا براءة مسبقة.
ومن هنا أنتقل من قراءة دراز إلى سؤال واقعنا: لماذا تتسع أحيانًا المسافة بين حضور الخطاب الديني وحضور الأخلاق في الحياة اليومية؟
في تقديري، تبدأ المشكلة عندما يصبح الانتماء شهادة صلاح، ويتراجع فحص السلوك. عندئذ ننشغل بمن يقول الكلام، أكثر مما ننشغل بصدقه؛ ونسأل إلى أي جماعة ينتسب، قبل أن نسأل هل أنصف أم ظلم. بينما تقتضي جدية المعيار الأخلاقي أن نطبقه على أنفسنا ومَن نحب، بالصرامة نفسها التي نطبقه بها على خصومنا.
وإذا وسعنا هذا التأمل إلى الدولة، فلن تكفي نزاهة الأفراد وحدها. نحتاج إلى مؤسسات تجعل المسؤولية قابلة للمحاسبة، وتحفظ حقوق الناس، وتحد من قدرة صاحب السلطة على تحويل هواه إلى قرار. وهذه إضافة أستخلصها لواقعنا: الضمير يحتاج إلى تربية، والسلطة تحتاج إلى قواعد ورقابة؛ فالأخلاق العامة مسؤولية تنظيم الحياة المشتركة أيضًا.
إن قيمة «دستور الأخلاق في القرآن» أنه يعيد فتح الأسئلة التي قد نحجبها بكثرة الإجابات الجاهزة. ومن خلاله أرى أن صدق علاقتنا بالقيمة يظهر في اللحظة التي تصبح فيها مكلفة: عندما يقتضي العدل أن ننصف خصمًا، وتقتضي الأمانة أن نعترف بخطأ، وتقتضي الرحمة أن نتنازل عن قدرتنا على الإيذاء.
حين يكون العقل حارس الدين لا خصمه
عندما أعدت قراءة كتاب “دستور الأخلاق في القرآن” لمحمد عبدالله دراز. توقفت عند الاسم أكثر مما توقفت عند العنوان، فالرجل الذي أنجز هذا العمل في قلب السوربون عام ١٩٤٧، وناقش فيه فلاسفة الأخلاق الغربيين من كانط إلى برجسون بلغتهم ومنطقهم، لم يكن يستجدي اعترافهم بصحة الإسلام، بل كان يسائل النصّ الديني بالعقل، ويسائل العقل الغربي بالنصّ، واقفًا على أرض واحدة يطل منها على المعسكرين معًا. وهو، وهذا ما يستحق التوقف عنده، خريج الأزهر ، المعهد الديني العريق، حاملًا عمامته وجلبابه إلى قاعات السوربون، ليثبت أن التقليد الأزهري القديم كان قادراً على منافسة الفلسفة الحديثة في عقر دارها، لا بالانبهار بها ولا بالتقوقع دونها.
فدراز لم يكن يدافع عن الأخلاق القرآنية بوصفها أوامر منزلة يجب التسليم بها دون سؤال، بل كان يبرهن أنها بناء عقلي متماسك، له غائيته ومنطقه الداخلي، يمكن فهمه واختبار اتساقه كما تُختبر أي نظرية أخلاقية فلسفية أخرى. والفارق بين الموقفين هائل، وإن بدا للوهلة الأولى فارقًا في الأسلوب لا في الجوهر. الأول يقول: “افعل لأن الله أمر”، فتصبح الطاعة غاية في ذاتها، ويُغلق باب السؤال “لماذا؟” باعتباره تطاولًا على المشيئة الإلهية. والثاني يقول: “افعل، وسترى كيف أن الأمر متسق مع عقلك وكرامتك ومصلحتك الحقيقية”، فيبقى باب السؤال مفتوحًا بل مُستحبًا، لأن الإجابة عليه تزيد الإيمان رسوخًا لا اهتزازًا. دراز كان يرى أن الله، إذ خاطب الإنسان بالتكليف، إنما خاطب فيه عقله المدرك قبل أن يخاطب طاعته المجردة، وأن القرآن نفسه يكرر “أفلا تعقلون؟” و”أفلا تتفكرون؟” أكثر مما يكرر الأمر بالطاعة الصماء.
انني أري أن هنا تكمن أزمتنا الفكرية الدينية المعاصرة. لقد استبدلنا التديّن العقلاني الذي مثّله دراز وكبار علماء الأزهر من جيله، بتديّن نصّي حرفي يخشى السؤال، ويعامل من يسأل بوصفه مشككًا أو خارجًا عن الجماعة. صار “لماذا” يكاد يُوازي الإلحاد في خطورته المتوهَّمة، بينما كان الأزهر نفسه، في عصوره الذهبية، مدرسة للسؤال قبل أن يكون مدرسة للحفظ، وكان علماؤه الكبار يخوضون في الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي دون أن يشعروا أن ذلك يُضعف إيمانهم، بل كانوا يرون فيه توسعة له.
والمفارقة أن هذا العالِم الذي أثبت للغرب عقلانية الأخلاق القرآنية ومنهجيتها، صار اليوم شبه منسي في مشهدنا الديني العام، بينما يتصدره من يرى في العقل خطرًا يجب احتواؤه لا أداة يجب توظيفها وتوقيرها. لماذا يحدث هذا الانقلاب في الأولويات؟ لأن التديّن العقلاني يتطلب مجهودًا: قراءة ومقارنة وصبرًا على تحمّل الشك المؤقت قبل الوصول إلى اليقين، وهو طريق طويل لا يناسب عصر السرعة والإجابات الجاهزة. أما التديّن الحرفي فيمنح راحة فورية، يقينًا معلّبًا لا يكلّف صاحبه عناء التفكير ولا مشقة المراجعة. والناس، في أزمنة القلق والاضطراب الاقتصادي والسياسي كالتي نعيشها، يميلون غريزيًا إلى الراحة أكثر من ميلهم إلى الحقيقة، لأن الراحة تُسكّن القلق فورًا، بينما الحقيقة قد تُثيره قبل أن تُهدئه.
والأخطر أن هذا التديّن الحرفي حين يواجَه بالعقل يشعر بالتهديد الوجودي، فيتحول من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، ويرمي من يسأل بالتكفير أو بالتخوين أو، في أحسن الأحوال، بسوء الفهم المتعمد. بينما دراز، حين واجهته أسئلة الفلاسفة الغربيين الأكثر تشككًا في الدين من أساسه، لم يهرب إلى الرفض ولا إلى الاتهام، بل دخل الحلبة الفكرية بثقة من يملك حجة، لا بثقة من يملك سلطة. والفارق هنا جوهري وحاسم: الحجة تُقنع فتبني اقتناعًا داخليًا راسخًا، أما السلطة فتُخضع فتُنتج امتثالًا سطحيًا قابلًا للانكسار عند أول اختبار جاد. ومجتمع يُخضع أفراده بدل أن يُقنعهم، ينتج في النهاية إما تمردًا صامتًا يتسلل إلى الأجيال الشابة، أو نفاقًا معلنًا يزيّن الظاهر ويُفرغ الباطن، لا إيمانًا حقيقيًا بمعناه الأعمق الذي هو طمأنينة القلب لا مجرد التزام السلوك.
وما أطرحه هنا بعد قراءة محمد دراز ليس دعوة إلى تفكيك الدين أو تذويبه في الفلسفة الوضعية، بل استعادة لتراث فقهي وكلامي أصيل، ينتمي إليه دراز والغزالي وابن رشد ومحمد عبده وسواهم من أعلام هذه المدرسة العقلانية، يرى أن العقل والنقل صنوان لا ضدان، وأن الدين حين يُعرض على العقل السليم يزداد رسوخًا لا اهتزازًا، وأن الخوف من السؤال هو في حقيقته اعتراف ضمني بضعف الإجابة الجاهزة. أما من يملك إجابة راسخة حقًا فلا يخشى من يسأله عنها، بل يرحّب بالسؤال لأنه فرصة لتعميق الفهم لا لتهديد اليقين، تمامًا كما كان دراز يرحّب بأسئلة السوربون لا يتهرب منها.
نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى في ظل الاستقطاب الفكري الذي يجتاح مجتمعاتنا، إلى استعادة دراز لا بوصفه اسمًا يُذكر عابرًا في المناسبات الأكاديمية، بل بوصفه منهجًا يُحتذى في التعامل مع النص وفي التعامل مع المختلف عنّا فكريًا على حد سواء: أن نُعيد الأخلاق إلى موقعها الأصلي كجوهر الدين لا كملحق شكلي له، وأن نُعيد للعقل مكانته كحارس أمين للدين لا كخصم يُخشى منه ويُحارَب. فحين يغيب العقل، لا يبقى من الدين إلا قشرته الخارجية، طقوسًا بلا روح، وأحكامًا بلا حكمة تُبرِّرها، وتديّنًا يزداد تشددًا وصخبًا كلما ازداد فراغًا من المعنى الحقيقي الذي جاء الدين أصلًا ليمنحه للحياة الإنسانية.





