
من أين يأتي رئيس مصر القادم؟
القادة لا يُصنَعون في قاعات الدرس… بل في ساحات الحياة العامة
بقلم حسام بدراوي
قرأتُ باهتمام مقال المهندس صلاح دياب في المصري اليوم عن «الاستدعاء الوطني»، وأشكره على أن وضع اسمي بين من رأى في سابقة أعمالهم ما يستحق الاستدعاء. وأشاركه قبل كل شيء ترحيبه بالحراك الذي عاد يسري في المجال العام، بعد أن أكد السيد الرئيس أن الدستور لن يُمَسّ، وأنه لن يترشح لفترة رئاسية جديدة. وقد كتبتُ هنا من قبل تحيةً لهذا الموقف؛ لأن تداول السلطة من أثمن ما خرجت به مصر من يناير 2011، ولأن احترام الدستور لا يكتمل إلا بتطبيقه كاملًا، لا انتقاءً منه.
غير أن الحوار الذي فُتح يستحق أن نذهب به إلى جذوره، لا أن نقف عند سطحه.
أولًا: سؤال الرئيس مشروع… والإجابة تحتاج مراجعة
أن يفكر رئيس الدولة فيمن يأتي بعده علامةُ صحةٍ لا ضعف. لكن البرنامج المقترح كما عُرض، مئتان إلى خمسمائة من حملة الدكتوراه بين الأربعين والخمسين، يُدرَّبون ثلاثين شهرًا في الأكاديمية العسكرية، يطرح أسئلة أصاب الكاتب في طرحها. وأضيف إليها سؤالًا أراه الأهم: من الذي يختار الرئيس في دولة دستورية؟
الإجابة في الدستور نفسه: الشعب، عبر صندوق انتخاب حر. وأي برنامج يتحول، ولو دون قصد، إلى بوابة مرور نحو الترشح، يضع جهةً ما بين المواطن واختياره. التأهيل مرحَّب به حين يكون متاحًا لكل من أراد، أما حين يصير شرطًا غير مكتوب، فإنه يعيد إنتاج منطق «الاختيار من أعلى» الذي أردنا أن نتجاوزه.
ثم إن الدكتوراه شهادةٌ على القدرة على البحث، لا على القيادة. عرف التاريخ، مصريًّا وعالميًّا، قادةً عظامًا لم يحملوها، وعرف حَمَلَتَها من لا يصلحون لإدارة قسم في جامعة.
ثانيًا: الاستدعاء الوطني فكرة كريمة… لكنها تجيب عن سؤال آخر
اقتراح المهندس صلاح دياب بمجلس استشاري رئاسي من أصحاب الإنجاز فكرةٌ طيبة، لكن المثال السنغافوري الذي استشهد به يستحق أن نقرأه بدقة، لأن قراءته الدقيقة تقوّي الحجة ولا تضعفها.
لم يكن مجلس التنمية الاقتصادية الذي أُنشئ عام 1961 مجلسَ وجهاء يجتمع ليبدي الرأي، بل جهازًا تنفيذيًّا محترفًا، له صلاحيات وأهداف تُقاس، وُلد بتوصية من خبير اقتصادي هولندي جاء ضمن بعثة للأمم المتحدة، فظل مستشارًا لسنغافورة قرابة ربع قرن. لم يسأل لي كوان يو عن جنسية الرجل، بل عن علمه.
سرّ سنغافورة إذن ليس في أسماء من جلسوا حول قائدها، بل في ثلاثة: مؤسسات لها صلاحية، وجدارة تحكم التعيين لا الولاء، ومحاسبة على النتائج. ولا ينبغي مع ذلك أن نغفل أن التجربة دفعت ثمنًا من الحريات السياسية، وأن ما يصلح لإدارة مدينة يسكنها بضعة ملايين لا يُستنسخ آليًّا في دولة بحجم مصر وتاريخها.
وحين زار دنج شياو بنج سنغافورة، لم يعد إلى الصين بمجلس استشاري، بل بمنطق مؤسسي: مناطق اقتصادية بقواعد واضحة، وكوادر تُقيَّم بالأداء.
والمجلس الاستشاري الذي لا تتحول توصياته إلى قرارات، ولا تُعلَن، ولا يُسأل أحد عن تنفيذها، يتحول مع الوقت إلى واجهة تشريفية مهما علت أسماء أعضائه. فإن كان لا بد منه، فليكن بتكليف محدد، وتوصيات منشورة، ومعايير اختيار معلنة، لا بقوائم أسماء.
ثالثًا: أين يُصنع القادة إذن؟
القادة لا يُصنعون في قاعات الدرس، بل في ساحات الحياة العامة: في الأحزاب حين تكون حية، وفي البرلمان حين يكون رقيبًا حقيقيًّا، وفي المحليات حين تُنتخب، وفي النقابات والجامعات والمجتمع المدني حين يُتاح لها أن تتنفس. هناك يتعلم المرء أن يُقنع، وأن يخطئ فيُحاسَب، وأن يخسر ثم يعود. وهناك يعرفه الناس قبل أن يطلب أصواتهم.
ولنتذكر أن الدستور ألزمنا بانتخاب المجالس المحلية، وأن مصر بلا مجالس محلية منتخبة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. تلك وحدها مدرسة قيادة أُغلقت أبوابها، وكان يمكن أن يتدرب فيها الآلاف لا المئات، على أرض الواقع لا على الورق.
رابعًا: ما الذي أقترحه؟
كتبتُ في مقالي السابق أن تعيين نائب للرئيس، بل نائبين، أحدهما مدني سياسي والآخر ذو خلفية عسكرية، بملفات محددة ومسؤولية واضحة، ليس فرضًا على المجتمع بل فرصةٌ أمامه. وأعود اليوم لأقول إن الإعداد للمستقبل يقوم على ثلاثة مسارات تسير معًا:
◄ نائبان للرئيس يتحملان مسؤولية حقيقية أمام الناس، فنرى أداءهما قبل أن نحكم عليهما.
◄ مجال عام مفتوح: أحزاب تتنافس، وإعلام يناقش، وانتخابات محلية طال انتظارها، لتُفرز قيادات تصعد من أسفل، لا تُعيَّن من أعلى.
◄ مجلس استشاري تنفيذي إن شئنا، لكن بتكليف وتوصيات منشورة ومحاسبة، تختار أعضاءه معاييرُ معلنة لا معرفةٌ شخصية.
لقد فتح الرئيس بابًا، والواجب أن نوسّعه لا أن نزخرفه. فالانتظار ليس حيادًا، والأمم لا تُدار بالمفاجآت، وإنما بإعدادٍ معلن يشارك فيه أهلها.
ومصر، كما قلتُ من قبل، تستحق.





