
كتب صديقي الدكتور أسامة حمدي الاستاذ في” جامعة هارفارد ” مقالًا موجعًا بعنوان «لماذا نجحوا؟ ونحن ندق المسمار الأخير؟»، قارن فيه بالأرقام بين طريق صناعة الطبيب في الولايات المتحدة وطريقه عندنا
………
هناك، أربع سنوات تأهيلية قبل أن يطرق الطالب باب كلية الطب، ثم امتحان قدرات صارم، ثم مقال يشرح فيه لماذا اختار أن يحمل أرواح الناس بين يديه، ثم مقابلة مع أستاذ خبير يقرأ ما وراء الأوراق، وبعد ذلك كله لا يُقبل إلا أربعة من كل عشرة مستوفين للشروط. وهنا، طريق واحد مختصر: مجموع درجات الثانوية العامة، ولا شيء سواه.
والأرقام التي أوردها تكفي وحدها : دولة تعدادها ثلاثمائة وأربعون مليونًا تقبل في كليات الطب ما بين ستة عشر وأربعة وعشرين ألف طالب، ودولة تعدادها مائة وخمسة عشر مليونًا تقبل ما بين خمسة وعشرين وسبعة وثلاثين ألفًا.
هناك مئات المستشفيات الجامعية والتعليمية، وألف وسبعمائة مستشفى بها برامج لتدريب الخريجين، وهنا مائة وعشرون فقط يتزاحم عليها الخريجون والوافدون وطلاب الجامعات الخاصة. والنتيجة كما وصفها بلهجته الصادقة: خريج “سلق بيض”.
وأنا أتفق مع كل حرف كتبه، وأنسب إليه فضل فتح الباب. لكنني أريد أن أخرج من غرفة الطب إلى البيت كله؛ لأن ما وصفه ليس خللًا في كلية أو وزارة، بل عَرَضٌ لطريقة في التفكير، ومنهج في الحكم على الأشياء، يمتد من التعليم إلى الصحة إلى العمران إلى الاقتصاد إلى الثقافة، بل إلى وجدان الناس أنفسهم.
إنها طريقة تفكير تُقدّس الكمّ وتُهمل الكيف.
المسطرة والميزان
للأشياء مقياسان: مسطرة تقيس الطول والعرض والعدد، وميزان يزن القيمة والجودة والأثر. المسطرة سهلة، يكفي أن تعدّ. أما الميزان فصعب؛ يحتاج إلى معيار، وإلى من يملك الشجاعة ليعترف بأن الكفّة خفيفة.
وحين يختار العقل الذي يصنع القرار المسطرة وحدها، يصبح السؤال دائمًا: كم؟ كم جامعة افتتحنا؟ كم مستشفى؟ كم كيلومترًا من الطرق؟ كم وحدة سكنية؟ كم خريجًا؟ ولا يُطرح السؤال الأصعب: ماذا حققنا؟ هل تعلّم الطالب أن يفكر؟ هل شُفي المريض؟ هل تصل الطريق إلى حيث يحتاج الناس أن يذهبوا؟ هل صار الخريج قادرًا على المنافسة في عالم لا يعترف إلا بالكفاءة؟
والكمّ مغرٍ لأنه يُصوَّر، ويُعلن في المؤتمرات، ويُكتب على اللافتات، ويُقاس في دورة واحدة. أما الكيف فبطيء، لا يظهر إلا بعد سنين، وكثيرًا ما يُنسب إلى غير من زرعه. لذلك يميل من يبحث عن إنجاز يُرى إلى المسطرة، ويترك الميزان لمن يأتي بعده.
حين يصبح المقياس هدفًا
في علم الإدارة قاعدة تُعرف بقانون جودهارت: حين يتحول المقياس إلى هدف، يفقد قدرته على أن يكون مقياسًا. عدد الخريجين كان يومًا مؤشرًا على انتشار التعليم، فلما صار هو الغاية صرنا نُخرّج أعدادًا بلا تعليم. وعدد الأسرّة كان مؤشرًا على الرعاية الصحية، فلما صار هو الغاية امتلأت المباني وغاب الطبيب الماهر والممرضة المدربة والدواء الموجود. ونسبة النجاح كانت علامة على جودة المدرسة، فلما صارت هدفًا ارتفعت النسب وانخفض الفهم ولم تعد المعرفة هدفاً.
وهكذا لا تكذب الأرقام، لكنها تصدق في غير موضعها؛ تقول الحقيقة عن الحجم، وتصمت عن كل ما عداه.
الخطر الأكبر هو حين يسكن الرقمُ الوجدان.
ما يقلقني أكثر من السياسة ذاتها هو أثر ذلك في النفوس. فحين يسمع المجتمع عامًا بعد عام الاحتفاء بالأكبر والأطول والأعلى والأكثر، تتسلل هذه المعايير من الخطاب العام إلى وجدان الأسرة، ثم إلى وعي الفرد، حتى تصبح هي ميزان الحياة نفسه.
فالأب يسأل ابنه: «جبت كام؟» ولا يسأله: ماذا فهمت؟ والأم تفاخر بمجموع ابنتها لا بما تحبه ابنتها أو تُحسنه. والعرس يُقاس بعدد المدعوين، والبيت بعدد الأمتار، والرجل بما يملك، والكاتب بعدد المتابعين في السوسيال ميديا، والفكرة بعدد الإعجابات. بل يمتد الأمر إلى التدين نفسه، فيُقاس بعدد الركعات والختمات والمظاهر، بصوت الميكروفونات في الآذان ، لا بالصدق والأمانة وحسن المعاملة.
هنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتحول ثقافة العدّ والصوت العالي من سياسة يمكن تغييرها بقرار، إلى عقيدة اجتماعية لا تتغير إلا بجيل كامل. فالسياسات تُعدَّل، أما القيم إذا فسدت فإنها تُورَّث.
«ولو أعجبك كثرة الخبيث»
في القرآن الكريم آية أراها تختصر القضية كلها: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.
الكثرة تُعجب، تلك طبيعة البشر، لكنها لا تُسوّي بين ما لا يتساوى.
وفي الحديث وصفٌ لأمة كثيرة العدد: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل»؛ كثرة لا وزن لها، يحملها التيار ولا تحمل شيئًا.
وليس مصادفة أن دولًا صغيرة كسنغافورة وفنلندا وسويسرا صنعت مكانها في العالم بجودة إنسانها لا بعدده، وبما تُتقنه لا بما تُكدّسه.
فماذا نفعل؟
لا أدعو إلى احتقار الكم؛ فبلد بحجم مصر يحتاج إلى مدارس ومستشفيات وطرق بأعداد كبيرة. لكنني أدعو إلى أن يأتي الكم تابعًا للكيف لا بديلًا عنه. أن نسأل عن كل مشروع قبل أن نعلن عدده: ما هدفه؟ وكيف سنعرف أنه تحقق؟ ومن يُحاسَب إن لم يتحقق؟
أن نقيس التعليم بما يستطيع الخريج أن يفعله لا بعدد الخريجين، والصحة بمعدلات الشفاء وثقة الناس في المستشفى لا بعدد الأسرّة.
نسأل حكومتنا عن الحقوق، هل وصل للمواطن ام لا، وبجوده عاليه يستحقها ام كله كلام للفخر بلا حقيقة ورائه.
أن يكون في كل مؤسسة ميزان مستقل لا يخاف أن يقول إن الكفة خفيفة.
وقبل ذلك كله، أن نستعيد في بيوتنا ومدارسنا ومنابرنا السؤال الغائب: ليس «كم؟»، بل «ماذا؟» و«كيف؟» و«لماذا؟
ختم الدكتور أسامة حمدي مقاله بأن الصحة عمادها الكيف والجودة وأضيف اليه أن الأمة التي تعدّ ولا تزن، قد تستيقظ ذات يوم لتجد لديها من كل شيء الكثير… ولا شيء منه يعمل




