المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

الثقة بالنفس واحترام الذات بقلم حسام بدراوي

القيم الإنسانية الكبرى ليست حكرًا على دين بعينه أو ثقافة محدودة، بل هي ثمار التجربة الإنسانية عبر العصور. فهي قيمٌ عابرة للأديان، وأحيانًا سابقة عليها، تشكّلت في ضمير البشر حين عرفوا معنى العدل والحرية والكرامة. من بين هذه القيم تبرز الثقة بالنفس، باعتبارها أساسًا للكرامة الإنسانية وأداة للتحقق الفردي، غير أن لهذه القيمة – كسائر القيم – وجهاً مضيئًا وآخر مظلمًا.
الثقة بالنفس هي الوعي العميق بالذات، والاعتراف بقيمتها، والقدرة على مواجهة الحياة دون خضوع أو مهانة. إنها الحافز الذي يدفع الفرد إلى الإنجاز والإبداع، ويحرره من أسر الخوف والتردد.
فالإنسان الواثق بنفسه لا يستجدي قبول الآخرين، ولا يهتز أمام التحديات، لأنه يعرف من هو، ويعرف ما يستطيع.
لكن هذه الثقة لا تكون فضيلة إلا إذا اقترنت بالتواضع والوعي بالآخر. فهي حين تنفصل عن العقل النقدي، تتحول إلى غطرسة، وحين تنفصل عن الضمير، تنزلق إلى تعصب. هنا يصبح الواثق بنفسه سجّانًا للآخرين، لا رفيقًا لهم، ومدافعًا عن ذاته ضد الحقيقة ذاتها.
هناك جانب مظلم للثقة بالنفس فالمتعصب واثق بنفسه ورأيه إلى حد العمى؛ يرى ذاته معيارًا للحقيقة المطلقة، ويرفض الاعتراف بتعدد الطرق إلى الخير.
والأناني واثق بنفسه لدرجة أنه لا يرى غيرها، فيحوّل الثقة إلى جدار عازل يفصله عن الناس.
هكذا تتحول قيمة في أصلها إنسانية إلى أداة قهر، حين تغيب عنها روح المشاركة ويغيب عنها إدراك حدود الذات.
لا تكتمل الثقة بالنفس إلا إذا توازنت مع الثقة بالآخرين. فالثقة المتبادلة هي التي تبني جسور المجتمعات، وتمنح الإنسان القدرة على التعاون والإبداع المشترك.
الثقة بالآخر تعني الاعتراف بأن الحقيقة لا تُختصر في فرد واحد، بل هي حصيلة العقول المتعددة، والتجارب المختلفة، والحوار الدائم.
إنها تعني أن نرى في الآخر مرآة لجزء من ذاتنا، لا خصمًا يهدد وجودنا.
القيمة في جوهرها لا تُقاس بوجودها أو غيابها، بل بقدرتها على الاعتدال. فالثقة بالنفس فضيلة حين تُحرّر الإنسان من الخوف، ورذيلة حين تُعميه عن الآخر. والثقة بالآخرين قوة حين تفتح باب التعاون، وضعف حين تنقلب إلى سذاجة أو تبعية.
لهذا، فإن الحكمة تكمن في التوازن:
أن نثق بأنفسنا دون أن نُقدّسها.
أن نثق بالآخرين دون أن نستسلم لهم.
أن نحتفظ بالوعي بأن الإنسان، أي إنسان، يظل ناقصًا ويحتاج إلى الآخر كي يكتمل.
في حوار مع شباب الحالمين بالغد قلت لهم :
الثقه لها أجنحه، ومداخل ، ولكن علينا أن نعلم أن الثقة بالنفس صفة لا تولد مع الإنسان، لكنها تُكتسب يوماً بعد يوم. وهذا ما يفسر كون بعض الناس يتمتعون بالكثير منها، وبعض الناس لا يملكون ما يكفيهم من الثقة بأنفسهم. وعلي كل واحد منكم يعرف من أيّ الناس هو؟ وهل يمكنك تعزيز ثقتك بنفسك أكثر وكيف؟ .
وجد علماء النفس أن أسباب انعدام الثقة بالنفس تكون في الغالب متجذرة في مرحلة الطفولة أو المراهقة، ويكون للآباء والأمهات والمدرسين أو الأشقاء والمحيط عموماً دور كبير في تكوين ذلك، عندما يعايرون الطفل مثلاً في شكله أو بفشله في الدراسة أو بأي شيء سلبي يتصف به، بدلا من أن يحاولوا العمل على تصحيحه وتشجيعه على التحسن. ويزداد ذلك باللوم السلبي المتكرر بدلا من العتاب الايجابي الإصلاحي .
قلت للشباب :هناك مفاتيح خمسة لزياده ثقتكم بأنفسكم: أولا : ان تتميزوا، فكل إنسان لديه مميزات ، فليعمل عليها ويبرزها ويزيدها ويعبر عنها . ثانيا : أن تثبتوا، ولا تحاولوا تغيير شخصياتكم إرضاءآ للآخرين فلا يمكنك أن تكون نسخة من الآخرين لمجرد أن تفوز برضاهم عنك .،ثالثا: أن تضعوا لكل يوم أهدافاً صغيرة ،اعتماداً على معرفتكم بقدراتكم، بحيث تكون معقولة وقابلة للتحقيق، على أرض الواقع في مدة معينة. افعلوا ذلك بالتدريج، وقسِّموا عملكم إلى مراحل، وفي كلّ مرة ارفعوا من صعوبة التحدي، رابعا: أن تذكَّروا و لا تتوقفوا عن ترديد جمل إيجابية في قرارة أنفسكم، أو حتى بصوت مسموع عندما تكونوا وحدكم، “يمكنني فعل ذلك”، أو “نعم، لديّ الكفاءة اللازمة لهذه الوظيفة”، أو “أنا الأفضل”. ستساعدك هذه الحيلة على أن تصبح إيجابي أكثر في طريقة تفكيرك، وعلى أن تتغلب على أي إحساس بالإحباط أو بعدم الثقة بالنفس، وستجعلك تطرد من رأسك الأفكار السلبية. لكن هذه الطريقة لن تنجح أو تثمر النتائج المرجوة منها إلّا إنْ كنت مؤمناً بقدراتك وتعمل علي تنميتها . وأخيرا : أن تواجهوا بشجاعه المواقف المزعجة أو المحرجة التي تشعرون فيها بعدم الارتياح. لا تلقوا ببصركم إلى الأرض وتنكسروا بمجرد أن ينتقدكم أحد، بل عليكم أن تصمدوا وتواجهوا، وتجيبوا وتكونوا إيجابيين في النقاش، ومع تكرار الأمر ستكتسبون خبرة تجعلكم قادرين على تفادي مثل هذه المواقف، أو على الأقل مجابهتها بكل ثقة.
الثقة بالنفس والثقة بالآخرين ليستا مجرد قيم فردية، بل هما لبنة في بناء مجتمع سليم. مجتمع يرى أن كرامة الفرد لا تكتمل إلا بحريته، وأن حريته لا تكتمل إلا بالتزامه تجاه الآخرين.
بهذا وحده تتحول الثقة من شعور شخصي إلى قيمة إنسانية كونية، عابرة للأديان، تُضيء الطريق ولا تُغرقه في الظلال.
الثقة الجماعية بالنفس
إذا كانت الثقة بالنفس تمنح الفرد القدرة على الإنجاز، فإن الثقة الجماعية للشعب تمنح المجتمعات والأمم القدرة على النهوض وصناعة المستقبل. إنها الوعي المشترك بالقيمة الذاتية للجماعة، والإيمان العميق بقدرتها على مواجهة التحديات وتحقيق الأهداف الكبرى.
الأمم التي تثق بنفسها لا تنهزم أمام الأزمات، بل تراها فرصًا للإبداع والتجديد. والثقة الجماعية ليست مجرد شعور عاطفي، بل هي نتاج منظومة متكاملة: تعليم يزرع الوعي، إعلام يرسّخ الهوية، قيادة تبعث الأمل، ومجتمع مدني يفتح مساحات المشاركة.
وعلى العكس، فإن غياب الثقة الجماعية يخلق شعوبًا مستسلمة، تعيش في ظل التبعية للآخرين، وتفقد القدرة على المبادرة.
“كما أن الفرد لا يكتمل بلا ثقة بنفسه، فإن الأمة لا تنهض بلا ثقة جماعية بذاتها، تعطيها القدرة على تحويل الأزمات إلى إنجازات، والأحلام إلى واقع.”

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى