
في كل مرة يُفتح فيها باب المشاركة السياسية في مجتمعاتنا، يتكرر المشهد ذاته: إقبالٌ خجول، ولامبالاة عامة، وصمتٌ يُغني عن التصريح.
ليس الأمر ناتجًا عن الكسل أو الجهل، كما يروق للبعض أن يُصوِّر، بل هو تعبير عميق عن فقدان الثقة، وانكسار الأمل، واغتراب المواطن عن المشهد العام.
عندما يشعر المواطن أن المشاركة لا تُفضي إلى التغيير، وأن نتائجها محسومة سلفًا، تصبح السياسة عبثًا لا طائل من ورائه.
وحين تتحوّل الانتخابات إلى واجب شكلي، والمعارضة إلى ديكور، والأحزاب إلى كيانات ورقية، فإن الانسحاب يصبح فعلًا دفاعيًا لا سلبيًا.
الإنسان ليس آلة تُعاد برمجتها كل دورة انتخابية.
الذاكرة الجمعية تحتفظ بخيبات الوعود، وبرلمانات بلا صوت، وساسة تاجروا بالآمال.
لذا، حين يُطلب من المواطن أن يُشارك، يجيب داخليًا:
“لماذا؟ وماذا سيختلف هذه المرة؟”
في بعض البيئات، يصبح التعبير عن الرأي مخاطرة.
الخوف من الملاحقة أو فقدان الوظيفة أو التشهير يجعل كثيرين يُفضلون الصمت.
وهكذا، لا يصبح العزوف ضعفًا في الوعي، بل وسيلة للبقاء.
غياب البديل الحقيقي
أحيانًا لا تكون المشكلة في القمع وحده، بل في غياب أفق بديل يُقنع الناس بإمكانية التغيير.
إذا خلت الساحة من القيادات الملهمة، والرؤى الناضجة، والمشاريع الواقعية…
فمَن يُقنع المواطن أن لصوته وزنًا؟
الانشغال بالهموم اليومية
في مجتمعات مثقلة بالأزمات، يصبح الخبز أولى من صندوق الانتخاب.
ينسحب المواطن من الشأن العام لا كرهًا له، بل لأن الحياة اليومية تستهلك طاقته وتدفعه للانكفاء.
ومضة من التاريخ القريب
وعلى الرغم من تحفظي على ما آلت إليه ثورة 25 يناير من نتائج،
إلا أن ما لا يمكن إنكاره هو حجم الإقبال الشعبي على العمل العام السياسي في تلك اللحظة الفارقة.
في الأيام الثلاثة الأولى من يناير 2011، شاهدنا انفجارًا في الوعي الجمعي، وحسًا وطنيًا فريدًا، ثم رأينا ذلك يتكرر في 30 يونيو، حين تحركت الجماهير للتخلص من حكم جماعة الإخوان.
ذلك الحس لم يمت. ربما خبا تحت رماد الإحباط، وربما جُرح من خيبات لاحقة، لكنه حيّ، ويمكن أن يعود إذا ما استشعر الناس صدقًا، ورأوا أملًا حقيقيًا، وشعروا أنهم شركاء لا مجرد متفرجين.
إلى أين نذهب؟
عزوف المجتمع ليس قدرًا محتومًا، بل عرض لمرض أعمق: غياب الثقة، وتراكم الخيبات، وانقطاع الحوار.
ولإعادة إحياء الروح السياسية، لا يكفي فتح صناديق الاقتراع، بل لا بد من:
بناء مناخ آمن لحرية التعبير
إحياء حياة حزبية حقيقية لا تُدار من خارجها
تمكين الشباب والنساء من الحضور الفاعل
الاعتراف بأن الإصلاح يبدأ من القاعدة، ولكن القرار يؤخذ من قمة الهرم السياسي
الخاتمة
عندما يعزف الناس عن السياسة، لا نلومهم… بل نسأل أنفسنا:
ما الذي جعل السياسة تُصبح منفرَة؟
وحين نُجيب بصدق، نكون قد بدأنا طريق الإصلاح الحقيقي…
فالمشاركة ليست ترفًا، بل دليل عافية وطنية، ومتى ما وُجدت البيئة النزيهة والمناخ الحر، يعود الوعي الجمعي… ويعود معه الأمل.
حسام بدراوي يكتب لـ«الحرية»: عزوف المجتمع عن المشاركة السياسية؟


