بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع ايجبتك

د. حسام بدراوي يكتب لـ«إيجبتكِ» .. حين تتصارع المشروعات.. ويغيب الوعي

في لحظات الاضطراب الكبرى، تميل السياسة إلى اختزال العالم في ثنائيات حادة:معسكر هنا ومعسكر هناك، محور يقابله محور مضاد، ويُطلب من الشعوب أن تختار موقعها بينهما.

لكن التاريخ يعلمنا أن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمم ليس أن تواجه صراعًا بين القوى الكبرى، بل أن تُدفع إلى الاعتقاد بأن هذا الصراع هو قدرها الوحيد، وأن دورها لا يتجاوز اختيار أحد طرفيه.

اليوم تبدو منطقتنا العربية مرة أخرى أمام مشهد من هذا النوع.تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، والآن على إيران ولبنان، وتزايد الحديث عن إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

وفي خضم هذا كله يتكرر السؤال التقليدي:مع أي معسكر يجب أن نقف؟

لكن ربما يكون السؤال الصحيح مختلفًا تمامًا.فالأمم التي تفكر بعقل حضاري لا تبدأ بالسؤال: مع من نقف؟بل تبدأ بسؤال أكثر عمقًا: ماذا نريد أن نكون؟

الحرب كدليل على فشل السياسة

الحروب في جوهرها ليست انتصارًا للقوة، بل اعترافًا بفشل السياسة.وكلما تأملنا ما جرى في منطقتنا خلال العقود الأخيرة – من العراق إلى أفغانستان إلى ليبيا وسوريا ولبنان والسودان – أدركنا أن الحروب التي تُدار من الخارج لا تنتج نظامًا جديدًا بقدر ما تنتج فراغًا سياسيًا وأمنيًا قد يستمر سنوات طويلة.

ومن هذا المنطلق فإن رفض أي حرب جديدة في المنطقة ليس موقفًا عاطفيًا، بل قراءة عقلانية للتجربة.لكن رفض الحرب لا يعني بالضرورة قبول كل ما يجري في المنطقة من سياسات نفوذ أو مشاريع تمدد إقليمي.

فالخلط بين الأمرين هو أحد أكثر أشكال الابتزاز السياسي شيوعًا في عالمنا المعاصر:إما أن تؤيد الحرب، أو أن تصمت عن الهيمنة.

والحقيقة أن العقل السياسي المتوازن يمكنه أن يرفض الاثنين معًا.

إذا نظرنا بموضوعية إلى المشهد الإقليمي سنجد أن المنطقة العربية أصبحت ساحة تتقاطع فيها عدة مشروعات سياسية كبرى.

هناك المشروع الإسرائيلي الذي نرفضه قطعًا، والذي نشأ منذ بدايته كمشروع استيطاني توسعي، من النيل إلى الفرات، وما زال حتى اليوم يعتمد على التفوق العسكري والتحالفات الدولية لفرض وقائع سياسية جديدة في المنطقة.

وهناك المشروع الإيراني الذي نرفضه أيضًا، والذي تطور خلال العقود الأخيرة إلى مشروع نفوذ إقليمي واسع، يعتمد بدرجة كبيرة على بناء شبكات سياسية وعسكرية عابرة للحدود داخل عدد من الدول العربية.

وهو ليس مشروعًا دينيًا كما يظن البعض بين شيعة وسنّة، بل هو مشروع سياسي وسلطوي يستغل العصبية الدينية لحشد المؤيدين.

المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه المشروعات؛ فالتاريخ مليء بصراعات النفوذ داخل وبين الدول.

المشكلة الأعمق هي أن المنطقة العربية نفسها لم تنجح في بلورة مشروعها الذاتي القادر على حماية مصالحها عبر الزمن.

في وقت ما كانت فكرة القومية العربية ومحاولات التوحيد بين مصر وسوريا، وبين ليبيا ومصر، وسبقها تاريخيًا مصر والسودان، أفكارًا تحمل بذورًا إيجابية، ولكنها فشلت لأسباب متعددة، أهمها المصالح الفئوية والسعي للزعامات الفردية، والتدخلات الخارجية، والمشروع المضاد الذي كان وما زال قلب الفرقة، وهو المشروع الصهيوني الذي يسعى للسيطرة على المنطقة.

لقد كنت أرى أن تواجد الدولة الفيدرالية العربية التي تضم كل الدول العربية في إطار مماثل للولايات المتحدة الأمريكية نموذجًا ممكنًا يحفظ لكل دولة مساحة استقلالية في إطار نظام جامع متكامل ممكنًا.

للأسف ما حدث هو تفسخ الدول وتقسيمها بدلًا من تجميع الإطار في رؤية تتيح التنمية للجميع.

حين تغيب الدولة كفكرة

الدولة ليست مجرد حدود جغرافية أو جهاز إداري. إنها قبل كل شيء فكرة في الوعي الجمعي للمجتمع.

حين تكون فكرة الدولة راسخة في وجدان الناس، تصبح مؤسساتها أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.أما حين تضعف هذه الفكرة، فإن الدولة تصبح مجرد هيكل هش يمكن أن يتصدع بسهولة أمام الضغوط الداخلية والخارجية.

ولهذا فإن انهيار الدول لا يبدأ عادة بسقوط المؤسسات، بل يبدأ قبل ذلك بكثير…يبدأ بانهيار فكرة الدولة في الوعي العام.

حين يتحول الانتماء الطائفي أو القبلي أو الأيديولوجي إلى بديل عن الانتماء الوطني، تبدأ بنية الدول في التآكل من الداخل.وحين يحدث ذلك، تصبح البلاد أرضًا مفتوحة لكل أشكال التدخل الخارجي.

الدولة الوطنية ليست فكرة عابرة في التاريخ السياسي الحديث، بل هي أحد أهم الإنجازات الحضارية التي توصل إليها البشر لتنظيم حياتهم المشتركة.

إنها الإطار الذي يسمح بتوازن دقيق بين الحرية والنظام، وبين السلطة والمجتمع، وبين الهوية والتعدد.

لكن هذا التوازن لا يتحقق بالشعارات، بل بمجموعة من الأسس التي لا يمكن الاستغناء عنها:مثل السيادة، والمواطنة، وحكم المؤسسات، بحيث تُدار السلطة وفق قواعد واضحة لا وفق الولاءات الشخصية، ويكون هدف الدولة الأول هو بناء الإنسان برؤية شاملة.

الدولة التي تنجح في تحقيق هذه المعادلة تصبح أكثر قدرة على حماية استقلالها وأقل عرضة للهيمنة الخارجية.

ربما يكون الخطأ الأكبر في كثير من النقاشات السياسية في منطقتنا أنها تنظر إلى الصراعات الجارية باعتبارها صراعات قوة فقط.

لكن الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من هذه الصراعات هو في جوهره صراع وعي.

فالمجتمع الذي يمتلك وعيًا سياسيًا ناضجًا يصبح أقل قابلية للاستقطاب وأقل عرضة للتلاعب.

أما المجتمع الذي يغيب عنه هذا الوعي، فإنه يصبح سريع الانجذاب إلى الشعارات الكبرى، حتى لو كانت تخفي وراءها مشروعات لا تخدم مصالحه.

ولهذا فإن بناء الدولة القوية لا يبدأ فقط من بناء الجيش أو الاقتصاد، بل يبدأ أولًا من بناء الوعي المجتمعي نفسه.

في هذا السياق تبقى مصر – بحكم تاريخها وثقلها السكاني والثقافي – أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار المنطقة.

ليس لأن مصر يجب أن تقود الآخرين بالضرورة، بل لأن تجربة الحفاظ على الدولة الوطنية في بيئة إقليمية مضطربة تمثل درسًا مهمًا.

فالدولة حين تسقط لا يمكن إعادة بنائها بسهولة، وقد رأينا ذلك بوضوح في عدد من التجارب العربية خلال العقد الماضي.

اللحظة التي نعيشها الآن قد تبدو لحظة صراع، لكنها في الحقيقة لحظة اختبار للعقل السياسي العربي.

إما أن نستمر في الدوران داخل دوائر الاستقطاب بين مشروعات الآخرين، وإما أن نبدأ في التفكير الجاد في مشروعنا نحن.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس:مع من نقف؟

بل سؤال آخر أكثر عمقًا:كيف نبني دولًا قوية يكون فيها الإنسان العربي هو الغاية، لا مجرد وقود في صراعات الآخرين.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى