بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالاتموقع ايجبتك

رد الاعتبار.. مصر امتداد لمدرسة العقل

في زمنٍ يُكافأ فيه الصخب وتُتَّهم فيه الحكمة بالخذلان، يصبح من واجب العارفين بالتاريخ أن يعيدوا الاعتبار لمن امتلكوا شجاعة العقل في مواجهة عواصف الانفعال.

أنور السادات، الحبيب بورقيبة، والملك الحسن الثاني — ثلاثة قادةٍ عربٍ رأوا مبكرًا أن السلام ليس استسلامًا، وأن الحوار لا يعني الانكسار، وأن الحفاظ على الحياة لا يقل بطولةً عن النصر في الحرب.

لكنهم حوربوا جميعًا، واتُّهِموا بالخيانة، ودُفع السادات حياته ثمنًا لرؤيته، فقط لأنه كان أسبق من زمنه.

السادات… حين تجرأ على المستقبل

حين أعلن السادات مبادرته التاريخية لزيارة القدس عام 1977، لم يكن يبحث عن مجدٍ شخصي، بل عن مخرجٍ واقعي من نزيفٍ مستمرٍّ في الجبهات العربية.

كان يؤمن أن الحرب لا يمكن أن تكون قدرًا أبديًا، وأن الدولة المصرية بحاجة إلى أن تنقل طاقتها من ميادين القتال إلى ميادين التنمية.

ومع ذلك، تحوّل الرجل الذي حرر الأرض بالحرب ووقّع السلام بشجاعة إلى رمزٍ للخيانة في أعين الشعاراتيين، لا لأنهم كانوا أصدق، بل لأنهم كانوا أكثر ضجيجًا.

اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، تبدو رؤية السادات أكثر عقلانيةً وإنسانيةً من أي وقت مضى.

فكل الحروب التي اندلعت بعده لم تُعد الحق الفلسطيني، ولم تُنقذ العرب من الانقسام، بل خلّفت وراءها أنهارًا من الدماء وخرائطَ أكثر هشاشة.

بورقيبة حين نادى بالواقعية وسط الطوفان

أما الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، فقد وقف في منتصف ستينيات القرن الماضي ليقول شيئًا بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد: “خذوا ما يمكن أخذه الآن، ولا تُفوّتوا الفرصة باسم المستحيل”.

كانت رؤيته تقوم على الواقعية السياسية في التعامل مع الصراع العربي–الإسرائيلي، لكن الردّ عليه جاء حينها بالهجوم والتخوين.

ومع مرور الزمن، أثبتت الأحداث أنه كان يرى أبعد من الآخرين، وأنه أدرك مبكرًا أن الشعارات لا تحرر الأوطان، بل تبني الأسوار بين الشعوب.

الملك الحسن… الدبلوماسية الهادئة في زمن الصخب

الملك الحسن الثاني اختار طريقًا أكثر هدوءًا وأقل استعراضًا.

كان يدرك أن المنطقة العربية ساحةٌ لتقاطع المصالح الكبرى، وأن على بلاده أن تمسك بخيوط الحوار لا بخناجر الغضب.

سعى إلى التوازن، وإلى فتح قنوات خلفية للاتصال حين كانت القطيعة هي القاعدة، مؤمنًا بأن التفاهم لا يعني الانحناء، بل حماية للمستقبل.

الزمن الذي يرد الاعتبار

اليوم، وبعد كل ما جرى، يبدو أن التاريخ يعتذر لهؤلاء الثلاثة.

فقادة المقاومة “الحنجورية” الذين ملأوا الدنيا شعارات، وبنوا ثرواتهم على دماء الأبرياء، انتهوا إلى الاستسلام فوق جثث الشهداء، بينما ضاعت القضايا العادلة تحت ركام الفساد والسلطة.

انكشفت الأقنعة، وسقطت الخطابات، وبقيت الحقيقة البسيطة التي نادى بها أولئك القادة:أن السلام لا يولد من ضعف، بل من وعي، وأن الكرامة لا تُصان بالدم وحده، بل بالعدالة والعقل.

سلام العقل لا سلام التنازل

رد الاعتبار للسادات وبورقيبة والملك الحسن ليس تمجيدًا لأشخاصٍ راحلين، بل دعوة لإحياء العقل العربي الغائب.

دعوة لأن نفهم أن من نادى بالحوار لم يكن خائنًا، ومن رفض المزايدة لم يكن جبانًا، بل كان يدرك أن معارك الوعي أخطر من معارك السلاح.

فالمقاومة الحقيقية اليوم ليست بالصراخ في المنابر، بل في القدرة على صناعة السلام العادل، وبناء الحياة بعد الحرب.

ولعلّ هذا ما أدركه أولئك الذين سبقونا بالعقل، ودفعوا الثمن باكرًا… قبل أن ندرك نحن متأخرين أن التاريخ لا يرحم من يخطئ في توقيت الحكمة.

لماذا نحتاج اليوم لرسالة رد الاعتبار؟

نحتاجها لإحياء الوعي السياسي

أن نُذكّر الأجيال بأن الدعوة إلى التفاهم ليست خيانة، بل عمل جريء في زمن يُكرّم العنف.

نحتاجها لإعادة بناء المعايير لكي لا يُختزل التاريخ في من هدّد وقتل، بل يُحتفى بمن حاول التوازن، حتى لو لم يُكمل الطريق.

نحتاجها لتجديد الخطاب الوطنيفمن يرى اليوم أن لا بديل عن الصراخ والفزع، يجب أن يرى أيضًا أن العقل يحتاج من يدافع عنه، وأن الدبلوماسية تحتاج من يتحمل وحدها أعباءها.

نحتاجها لمنح الأمل لمن يظن أن كل من دعا إلى الودّ أو السلام قد خسر: التاريخ قادر على محو الخسائر، إن صاحَبَها بصمود فكري ومبادئ

مصر اليوم… امتداد لمدرسة العقلوفي اللحظة الراهنة، يحق لمصر أن تشعر بأنها امتداد طبيعي لتلك المدرسة العاقلة.

فموقفها من القضية الفلسطينية لم يكن انفعالًا عابرًا، بل موقفًا استراتيجيًا ووطنيًا حافظ على ثوابت الحق، ورفض أي مساس بالأرض أو تهجيرٍ للشعب الفلسطيني.

مارست مصر دورها التاريخي كدولة توازن لا تبعية، وسلام لا خضوع، عبر دبلوماسية محترفة وجهاز مخابراتي يدير أدق الملفات في ظل قيادة تعرف معنى الدولة.

إن هذا الموقف المصري اليوم هو الوجه المحدث لمدرسة السادات وبورقيبة والملك الحسن — مدرسةٍ تؤمن بأن السلام ليس ضعفًا، بل وعيٌ ومسؤولية، وأن الشجاعة ليست في إطلاق النار، بل في منعها حين يحترق الجميع.

 

لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى