
حين نشاهد صفوف النخيل على جانبي الطرق، تتشكل صورة أنيقة مهيبة، كأنها أعمدة نور تُرشد العابرين. للنخيل جلاله الخاص، يذكرنا بالكرامة والعطاء والصبر على قسوة الطبيعة. لكنه – مهما بلغ جماله – يبقى ضيفًا جديدًا على المكان، جذوره قصيرة في الزمن وإن امتدت عميقًا في الأرض.
أما الأشجار العريقة، التي تجاوزت أعمارها عشرات السنين، فهي ليست مجرد خضرة أو ظلّ؛ إنها سجلّ حيّ للتاريخ. في جذوعها حكايات أجيال، وفي ظلالها تنفست المدن، وعلى أغصانها تعلّقت الضحكات والذكريات. إن سقوط شجرة عمرها نصف قرن لا يشبه فقدان نبات، بل يشبه فقدان شاهد على الحياة نفسها.
النخيل يمكن أن يُنقل من مكان إلى آخر، فيزين طريقًا جديدًا أو ميدانًا ناشئًا، أما الشجرة العتيقة فليس لها بديل. اقتلاعها ليس تغييرًا في المشهد، بل جرح في ذاكرة المكان، وكأن يدًا امتدت لتمحو فصلًا من كتاب المدينة.
أتخيل – كلما رأيت من يمد منشارًا ليقطع شجرة بدعوى بناء أو شق طريق – أنني أمام قاتل للتاريخ، يزهق روحًا صامتة عمرها عقود. مثل هذا الفعل لا يجوز أن يُترك بلا رادع، لأنه ليس ضد البيئة فحسب، بل ضد الضمير والهوية.
الأشجار العريقة هي معابد خضراء، لا تُبنى مرة أخرى إذا هُدمت. هي جدران صامتة تحفظ روح المدن، وأيادٍ حانية تمتد عبر الأجيال. حمايتها ليست خيارًا ثانويًا، بل واجب حضاري يساوي في قيمته حماية الآثار والعمارة القديمة.
فلنزرع النخيل لنزيّن، ولنحافظ على الأشجار لنصون الذاكرة. فالجمال لا يكتمل إلا حين يتعانق الجديد مع القديم، وحين تظل الجذور ممتدة، تشهد على أن الإنسان لا يعيش يومه فحسب، بل يعيش تاريخه أيضًا.
وأذكر القراء أن مصر بأشجارها القديمة جزء من هويتها التي تميزها عن دول كثيرة ناشئة.


