
مقالة د. حسام بدراوي في جريدة الاخبار المغربية
أعترف بداية أنني من عشّاق كريستيانو رونالدو منذ فجر مشواره، ليس فقط لموهبته التي طالما أمتعتني، بل لالتزامه الرياضي على أرض الملعب وخارجها. ومن رحم هذا الحب، وجدت نفسي، دون قصد، أقف على مسافة من ليونيل ميسي، رغم اعترافي الدائم بحرفنته الاستثنائية . لكن هكذا هي الأمور أحياناً: فانحياز القلب لا يحتاج تبريراً.
١٥ عاما من المنافسة بين رونالدو وميسي جعلت كرة القدم أجمل وأكثر تشويقاً.
حزنت لخروج رونالدو باكياً من كأس العالم وكان عندي أمل أن أراه في النهائي وهو في سن ٤١ عاماً.
لكن ما حدث بعد مباراة مصر والأرجنتين الأخيرة جعلني أعيد النظر في موقفي كله، لا من ميسي كلاعب، بل من نفسي كمشجع، ومن مجتمع بأكمله يبحث دائما عن كبش فداء.
فجأة، تحوّل ميسي في إعلامنا إلى المسؤول الأول عن أخطاء التحكيم التي ظلمت منتخبنا، بينما غاب الحديث تماما عن أخطائنا نحن في الدقائق العشر الأخيرة من المباراة، وهي الدقائق التي حسمت النتيجة فعليا.
ما ذنب لاعب أرجنتيني في أن يتحوّل، بين ليلة وضحاها، إلى محور حملة كراهية غير مسبوقة، لا علاقة لها باللعب، بقدر ما هي تفريغ لانفعال جماعي يبحث عن اتجاه يصرفه فيه؟
إننا نلومه هو شخصياً لإقصاء مصر من دور ال١٦ وكأنه كان من المفروض ألا يسجل هدف الفوز تعاطفاً مع مصر!!!! واعتراضاً علي تحكيم كان في رأينا غير منصف.
وهو يحدث أحياناً في كرة القدم.
والأمر نفسه تكرر في المقلب الآخر: احتفالات مصرية صاخبة وانفعالات جماهيرية بالوصول إلى دور الـ16، وكأننا رفعنا كأس العالم.
تهويل هنا، وتحميل مسؤولية زائفة هناك، وفي الحالتين غياب واحد: غياب الموضوعية، وغياب القدرة على مساءلة أنفسنا أولا أو البناء علي ما أنجزناه ليكون مستداماً وليس صدفة.
والسؤال الذي ظل يلح عليّ: ماذا نعلّم أبناءنا وشبابنا حين نتصرف هكذا؟ أي رسالة نرسلها لهم حين يرون أن الهزيمة يجب أن يتحمّلها دائما طرف آخر، وأن الفرح يجب أن يكون بلا حدود ولا مقياس؟
في خضم هذا التساؤل، وقعت على مقال جميل للفيلسوف المغربي سعيد ناشد، يقرأ في مسيرة ميسي دروسا تتجاوز الملعب إلى فن العيش ذاته، وأحببت أن أشارك القراء بعض ما استوقفني فيه، ممزوجاً بتأملاتي الخاصة.
الدرس الأول هو أن العائق قد يتحوّل إلى طريق. فالطفل الذي عانى في صغره من قصور في هرمون النمو، ولم يكن يملك سوى موهبة غامضة وإصرار صامت، حين احتضنه نادي برشلونة وتكفّل بعلاجه، لم يمنحه قامة طويلة، بل منحه فرصة أن يجعل من جسده الصغير ميزة لا نقيصة: مركز ثقل منخفض يمنحه توازنا نادرا، وقدرة على تغيير الاتجاه تجعل مطاردته أشبه بمطاردة الريح. وهذه حكمة قديمة عرفها الرواقيون: أن ما يعترض طريق الفعل قد يتحوّل هو نفسه إلى أداة له.
الدرس الثاني أن الذكاء يهزم القوة. عاش ميسي عصراً مليئا بالمدافعين الأشداء، ولم يراهن يوما على الصدام المباشر، بل على القراءة السريعة للمساحة، والمرونة، وسرعة رد الفعل.
أما الدرس الثالث فهو الأعمق: أن الهدوء الظاهر قد يخفي أشد أنواع اليقظة. من يراقب ميسي في المباراة يظنه غائبا، يمشي بينما يركض الجميع. لكنه في تلك اللحظات يقرأ الملعب كما يقرأ لاعب الشطرنج الرقعة، يرصد ويختبر ويدّخر طاقته، حتى إذا نضجت اللحظة، انقضّ في التوقيت الصحيح. إنه اقتصاد في الجهد، وسخاء في الانتباه واستخدام الموهبة في وقت الإحتياج.
هذه الدروس الثلاثة تصلح، في رأيي، ميزانا نقيس به سلوكنا الجماعي بعد كل خسارة أو انتصار رياضي. فنحن، كما تكشف تجربتنا الأخيرة، أقرب إلى ثقافة تمجّد الصخب والصوت العالي، وتبحث عمّن تلومه بدل أن تراجع نفسها. وميسي، بصمته وهدوئه وذكائه، يقول لنا شيئا مختلفا تماما: إن النقص قد يكون بابا للتفرّد، وإن من يعرف متى يتحرك لا يحتاج أن يتحرك كثيرا، وإن أعمق أشكال القوة أحيانا هو ضبط النفس.
وحين أتأمل قصة ميسي، أجدها ليست استثناء، بل نمطا تكرر مع أعظم من عرفتهم كرة القدم في هذا الجيل، ومنهم من أحببته أنا شخصيا أكثر من أي لاعب آخر: كريستيانو رونالدو.
فرونالدو لم يولد نجماً، بل خرج من بيت متواضع في جزيرة ماديرا، وصعد درجة درجة، بعرق يومي واجتهاد لا يعرف الكلل، حتى بنى من نفسه أسطورة عابرة للأجيال. قصته ليست قصة موهبة فقط، بل قصة انضباط: نظام غذائي صارم، وتدريب لا يتوقف حتى بعد أن بلغ القمة، وإصرار على أن يبقى الأفضل في كل موسم جديد. وهذا بحد ذاته درس لا يقل أهمية عن دروس ميسي: أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الاستمرار في القمة أصعب من الوصول إليها.
وأقرب إلينا، عندنا نموذج لا يقل إلهاما: محمد صلاح. لاعب مصري خرج من قرية نجريج البسيطة في محافظة الغربية، ليصنع لنفسه مساراً احترافياً دخل به تاريخ كرة القدم العالمية، ويرفع اسم مصر في أكبر الملاعب وأعرق الأندية. قصة صلاح تحديدا هي المثال الذي ينبغي أن نرويه لأبنائنا وشبابنا: فهو مثل ميسي ورونالدو من أسر فقيرة ، وأثبتوا أن الأصل المتواضع ليس عائقا، وأن الطريق إلى القمة يبدأ بخطوة من قرية صغيرة، وأن التمثيل الحقيقي لبلد ما لا يكون بالهتاف الغاضب على المدرجات، وكراهية الخصوم بل بمثل هذه المسيرة الهادئة الصلبة التي بناها صلاح لبنة فوق لبنة بموهبة والتزام واصرار.
وأخيرا، أوجه لشبابنا نصيحة أبوية : الأهم من أن نكره ميسي، أو أي خصم آخر، هو أن نتعلم منه، كما نتعلم من رونالدو انضباطه، ومن صلاح إصراره وتواضعه رغم كل ما بلغه. فالمنافسة النبيلة لا تحتاج عدوا نلعنه، بل نماذج نقيس عليها أنفسنا. وهذا، في تقديري، هو الدرس الحقيقي الذي ينبغي أن يخرج به أبناؤنا من كل مباراة: لا من كسبها، ولا من خسرها، بل من قصص صانعيها. فبدلا من أن نورث لهم الكراهية والعنف في قلوبهم تجاه كل خصم، فلنورثهم الإعجاب بالجهد، والتقدير للموهبة والعلم في بناء الفريق ، والروح الرياضية وتحمل المسئولية وقبول الخسارة أحياناً واحترام المنافس.
فلنفرح ولنحزن وهذا طبيعي ولنتحمل نتيجة أخطاءنا ونتعلم منها.




