بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: سلاح الخيانة عن طريق الثقة والتوكيل»

المحاماة من أشرف المهن وأشدها اتصالًا بالعدالة وحقوق الإنسان. والمحامي ليس مجرد وكيل يتحدث باسم موكله، بل شريك في تحقيق العدالة، وحارس لحق الدفاع، وأمين على أسرار قد تمس السمعة والمال والأسرة والمستقبل.
لكن خطورة المهنة تنبع من عظمة الدور نفسه؛ فكلما اتسعت السلطة الممنوحة للمهني، ازدادت ضرورة الرقابة عليه ومحاسبته. وما أكتب عنه هنا ليس اتهامًا للمحامين جميعًا، ففي المهنة رجال ونساء يتمتعون بالنزاهة والكفاءة، ويدافعون عن موكليهم بشرف، ويتحملون أحيانًا أعباءاً ثقيله. إنما أتحدث عن ثغرة يعرفها كثير من المواطنين، وقد تتحول عند سوء استخدامها إلى باب للإهمال أو الاستغلال أو الابتزاز.
من التفويض إلى التوكيل المفتوح
يذهب المواطن إلى المحامي وفي ذهنه مهمة محددة: رفع دعوى، أو متابعة ميراث، أو تسجيل عقد، أو الدفاع عنه أمام جهة ما.
وقد يعين محامي في مؤسسته او شركته ويعطيه مرتبا شهريا لمتابعة أعماله القانونيه.
لكن ، في كل الأحوال ، يُطلب منه في أحيان كثيرة أن يحرر توكيلًا في الشهر العقاري، فيجد أمامه نصًا طويلًا يضم صلاحيات متعددة تتجاوز المهمة الأصلية.
المواطن، بحكم ثقته في المحامي أو جهله بالتفاصيل القانونية، لا يقرأ كل ما ورد في التوكيل. وقد يسمع العبارة المعتادة: «هذا توكيل عادي نستخدمه مع جميع العملاء». فيوقّع، و يبصم، من دون أن يدرك على وجه الدقة ما فوّض غيره في القيام به باسمه.
وقد لا يقتصر التوكيل على المحامي الذي اختاره، بل يمتد إلى عدد من زملائه أو العاملين في مكتبه، مع حق الإنابة للغير. وهكذا يصبح أشخاص لا يعرفهم صاحب الحق قادرين على اتخاذ إجراءات قانونية باسمه.
المشكلة ليست في وجود الوكالة، فهي ضرورة لا غنى عنها، وإنما في اتساعها، واستمرارها بعد انتهاء الغرض منها، وغياب وعي المواطن بما منحه للوكيل من سلطات.
الثقة وحدها لا تكفي
العلاقات المهنية لا ينبغي أن تُبنى على الشك، لكنها كذلك لا يجوز أن تعتمد على الثقة الشخصية وحدها.
نحن لا نقبل أن تعمل مؤسسة مالية بلا مستندات أو مراجعة لمجرد أن موظفيها أشخاص أمناء. ولا نسمح للطبيب بإجراء تدخل لم يوافق عليه المريض بحجة الثقة في كفاءته. فلماذا نقبل أن يمنح المواطن شخصًا آخر صلاحيات واسعة للتصرف باسمه من دون تحديد واضح للغرض والمدة وحدود المسؤولية؟
النظام الجيد لا يفترض أن الناس جميعًا فاسدون، ولا يفترض كذلك أنهم جميعًا ملائكة. إنه يحمي الأمين من الشبهة، ويحمي العميل من الخيانة، ويجعل الحقوق قائمة على قواعد قابلة للإثبات والمراجعة، لا على حسن الحظ.
حين يصبح إطالة النزاع مصدرًا للدخل
من أخطر أوجه الخلل المحتملة تضارب المصلحة بين المحامي وموكله. فالعميل يريد إنهاء النزاع بأسرع وقت وبأقل تكلفة، بينما قد يجد محامٍ غير أمين في إطالة النزاع، أو تعدد الإجراءات والجلسات، مصدرًا لمزيد من الأتعاب.
قد يكون التأخير نتيجة طبيعية لبطء التقاضي أو تعقيد القضية، وقد يكون سببه ضغط العمل أو خطأ غير مقصود. لكن قد يحدث أيضًا أن يتأخر إجراء كان يجب اتخاذه، أو يفوت ميعاد قانوني، أو لا يُبلّغ العميل بتطور جوهري، أو تتكرر مطالبات مالية لا يعرف الموكل أساسها.
وقانون المحاماة نفسه يُلزم المحامي بأن يُبلغ موكله بمراحل سير الدعوى وما يصدر فيها من أحكام، وأن ينصحه بشأن الطعن ويلفت نظره إلى مواعيده. أي إن المتابعة والشفافية ليستا مجاملة يقدمها المحامي، بل واجب مهني أصيل. (egyls.com)
ولهذا يجب أن يكون من حق العميل أن يحصل دوريًا على بيان مكتوب يوضح:
ما الإجراءات التي اتُّخذت؟
وما الإجراءات التي لم تُتخذ، ولماذا؟
وما المواعيد القانونية القادمة؟
وما المبالغ التي دُفعت، ولأي غرض؟
وما الأتعاب المتبقية، وعلى أي أساس تُحتسب؟
المستندات: أمانة وليست وسيلة ضغط
يسلّم المواطن إلى محاميه عقودًا وشهادات وأحكامًا ومستندات قد يصعب استخراج بديل لها. وهذه الأوراق ليست ملكًا للمحامي، ولا ينبغي أن تتحول إلى أداة ضغط للحصول على أتعاب متنازع عليها أو لإجبار العميل على استمرار العلاقة.
وقد نظم قانون المحاماة مسألة رد الأوراق والمستندات، كما اشترط أن تكون المصروفات التي يطلب المحامي استردادها مؤيدة بالمستندات، وأكد ألا يؤدي حبس الأوراق إلى تفويت ميعاد قانوني يسقط بسببه حق الموكل. (lawintegration.com)
ومع ذلك، فإن وجود النص لا يكفي إذا كان تطبيقه بطيئًا، أو إذا وجد المواطن نفسه مضطرًا إلى الاستعانة بمحامٍ جديد كي يسترد أوراقه من المحامي السابق.
أما إذا تحول الاحتفاظ بالمستندات أو المعلومات إلى تهديد صريح أو ضمني بإلحاق الضرر بالعميل، فنحن لا نكون أمام خلاف مهني عادي، بل أمام سلوك يستوجب تحقيقًا عاجلًا ومساءلة حقيقية، وربما مسؤولية جنائية بحسب الوقائع.
تضارب المصالح
المحامي يطّلع بحكم مهنته على أسرار موكله، ونقاط قوته وضعفه، وموقفه المالي والعائلي. لذلك فإن انتقاله لمساعدة الخصم في النزاع نفسه أو في نزاع مرتبط به يمثل خيانة جوهرية للأمانة المهنية.
ولهذا يحظر قانون المحاماة على المحامي تقديم المساعدة، حتى في صورة مشورة، لخصم موكله في النزاع ذاته أو في نزاع مرتبط به، كما يمتد الحظر إلى شركائه والعاملين في مكتبه، ويترتب على مخالفته إمكان مساءلته تأديبيًا. (egyls.com)
لكن المطلوب ليس مجرد نصوص مكتوبة، بل نظام واضح وفعّال للإفصاح عن تضارب المصالح، وتلقي الشكاوى، والتحقيق فيها خلال مدة معلومة، وإبلاغ الشاكي بالنتيجة وأسبابها.
إلغاء التوكيل ليس نهاية المشكلة دائمًا
الأصل في القانون المدني أن للموكل إنهاء الوكالة أو تقييدها، حتى لو وجد اتفاق يخالف ذلك، مع وجود استثناء عندما تكون الوكالة صادرة لمصلحة الوكيل أو لمصلحة الغير. (legalhub.me)
لكن المواطن قد يواجه عمليًا إجراءات لا يعرفها، أو يكتشف أن صياغة التوكيل تجعل الإلغاء أكثر تعقيدًا، أو يظن أن مجرد تعيين محامٍ جديد ينهي تلقائيًا سلطة القديم. وقد يحتاج، مرة أخرى، إلى محامٍ كي يفهم كيف يعزل محاميه الأول ويوقف آثار وكالته.
والأهم أن إلغاء التوكيل في الشهر العقاري لا يعفي المواطن من ضرورة إعلان العزل إلى من يلزم، ومتابعة القضايا والجهات التي استُخدم أمامها التوكيل، والتأكد من تسليم المستندات وانتقال الملف كاملًا إلى من سيتولى المهمة بعد ذلك.
إذن، لا ينبغي أن ينتهي دور الدولة عند تحرير التوكيل، بل يجب أن تساعد المواطن أيضًا على معرفة التوكيلات السارية باسمه، ومدى الصلاحيات الواردة فيها، وكيفية إلغائها أو تقييدها، والجهات التي يجب إخطارها بذلك.
ما الذي ينبغي أن يتغير؟
أقترح أن تقوم العلاقة بين المحامي والموكل على مجموعة من الضمانات العملية:
أولًا، أن يكون الأصل هو التوكيل المحدد بالمهمة، لا التوكيل العام واسع الصلاحيات، وألا تضاف سلطات البيع أو الشراء أو الصلح أو التنازل أو قبض الأموال إلا بطلب صريح ومستقل من الموكل.
ثانيًا، أن يُحدد التوكيل بمدة زمنية معقولة، أو ينتهي تلقائيًا بانتهاء المهمة التي صدر من أجلها، ما لم يطلب الموكل تجديده.
ثالثًا، ألا يُضاف إلى التوكيل عدد من المحامين لا يعرفهم الموكل إلا إذا عُرضت عليه أسماؤهم ووافق عليهم، وألا تجوز الإنابة للغير إلا بنص واضح يفهمه صاحب التوكيل.
رابعًا، أن يتسلم المواطن، قبل التوقيع، ملخصًا مبسطًا بلغة مفهومة يبين الصلاحيات الخطرة الواردة في التوكيل، وأن يُسأل صراحة عن موافقته عليها بدلًا من دفنها داخل صياغات طويلة.
خامسًا، إنشاء سجل رقمي يستطيع المواطن من خلاله معرفة جميع التوكيلات السارية الصادرة منه، وتاريخ إصدار كل منها، وصلاحياته، مع إرسال تنبيه دوري إليه بأن هناك توكيلًا ما زال قائمًا باسمه.
سادسًا، توقيع عقد أتعاب مكتوب يحدد المهمة، ومراحلها، وطريقة حساب الأتعاب والمصروفات، والحالات التي تستحق فيها مبالغ إضافية، بدلًا من ترك العلاقة لمطالبات مفتوحة لا نهاية لها.
سابعًا، إلزام المحامي بتقديم تقرير دوري مختصر عن سير العمل، ورد جميع المستندات عند انتهاء مهمته بموجب محضر تسليم واضح.
ثامنًا، تفعيل جهة مهنية مستقلة وسريعة لتلقي شكاوى الموكلين، والتحقيق في الإهمال الجسيم، وتضارب المصالح، وإساءة استخدام التوكيل، واحتجاز المستندات، والتهديد أو الابتزاز. فقانون المحاماة يعرف بالفعل نظام الشكاوى والتأديب، لكن القيمة الحقيقية لأي نظام تقاس بسهولة الوصول إليه، وسرعة إجراءاته، وقدرته على إنصاف المتضرر. (notariesofegypt.org, egyls.com)
ويمكن كذلك دراسة إنشاء تأمين مهني ضد أخطاء المحامين الجسيمة، كما يحدث في مهن حساسة في دول عديدة، بحيث يجد المتضرر طريقًا واقعيًا للتعويض إذا ثبت أن إهمالًا مهنيًا أضاع عليه حقًا.
رسالة إلى المواطن
لا توقّع توكيلًا قبل أن تقرأه، مهما كانت ثقتك في الشخص الذي أمامك.
اسأل عن معنى كل بند، واشطب ما لا تحتاج إليه، واطلب تحديد المهمة والمدة والأسماء. ولا تمنح سلطة البيع للنفس أو للغير، أو قبض الأموال، أو الصلح والتنازل، لمجرد أن العبارة مطبوعة في النموذج.
احتفظ بصورة رسمية من التوكيل، وسجّل رقم القضية ومواعيدها، واطلب إيصالات بالمبالغ والمستندات التي سلّمتها. وعندما تنتهي المهمة، لا تفترض أن التوكيل انتهى وحده؛ راجع وضعه واتخذ إجراءات إلغائه أو تقييده وإخطار الجهات المعنية.
هذه الاحتياطات لا تعني أنك تتهم محاميك، كما أن قراءة العقد لا تعني أنك تتهم من تتعاقد معه. إنها ببساطة إدارة مسؤولة للحقوق.
حماية المواطن تحمي المحاماة
الدفاع عن حقوق الموكلين ليس عداءً للمحامين، بل دفاع عن المحاماة نفسها. فالمحامي الأمين هو أول من يتضرر من الممارسات التي تهز ثقة المجتمع في المهنة، وهو أول المستفيدين من قواعد واضحة تميز بين الخطأ العابر والإهمال الجسيم، وبين الخلاف على الأتعاب والاستغلال، وبين الوكالة الأمينة وإساءة استعمال السلطة.
المحاماة رسالة، ولكن الرسالة لا تعلو على المساءلة. والثقة قيمة إنسانية ضرورية، لكنها عندما تتصل بالمال والحقوق والمصائر يجب أن تحاط بالشفافية والتوثيق والرقابة.
فالتوكيل ضرورة قانونية، لكنه ليس صكًّا على بياض، والمحامي وكيل عن المواطن، لا مالك لإرادته.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى