بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع ايجبتك

د. حسام بدراوي يكتب لـ«إيجبتكِ» .. غابة النظام العالمي

لم يبدأ عام 2026 بالأمل، بل بإشارات إنذار.دول تتفكك، رؤساء يُعتقلون خارج حدودهم، وقانون دولي يقف متفرجًا أو شريكًا بالصمت.كأن البشرية، بعد كل ما ادّعت تعلمه، قررت أن تعود إلى أول درس في التاريخ:الأقوى يفعل ما يشاء، والضعيف يدفع الثمن.قد يسأل القارئ:ماذا فعل رئيس فنزويلا ليستحق أن يُعتقل خارج بلاده، وبقوة عسكرية؟هل شنّ حربًا؟هل هدد أمن دولة أخرى؟الجواب الصادم: لا.ما فعله نيكولاس مادورو لم يكن جريمة قانونية عابرة للحدود،بل خروجًا سياسيًا عن الصف، ورفضًا للهيمنة، ومحاولة – ناجحة أو فاشلة – للقول إن للدول الصغيرة حق الاختلاف.وهنا ينكشف جوهر المشهد: لسنا أمام محاكمة، بل أمام رسالة.رسالة تقول إن السيادة لم تعد حقًا ثابتًا، وإن الشرعية لا تُستمد من الشعوب، بل من ميزان القوة.الخطر الحقيقي في هذا الإجراء لا يكمن في شخص مادورو، ولا في تقييم حكمه، بل في السابقة التي يُرسيها:إذا كان من حق دولة أن تعتقل رئيس دولة أخرى خارج أي إطار قضائي دولي، فما الذي تبقى من فكرة القانون الدولي؟وما الفرق إذن بين نظام عالمي منظموغابة… ترتدي ربطة عنق؟العدالة، حين تُمارس خارج القانون،تفقد معناها، وتتحول من قيمة إنسانيةإلى أداة انتقائية، تُرفع في وجه الضعفاء، وتُغمد أمام الأقوياء.وهنا يتقاطع هذا المشهد مع تفكيك الدول، ومع الصمت الدولي، ومع اعتيادنا المتزايد على مشاهد الانتهاك.فالجنون لا يبدأ بالرصاصة، بل حين يختفي السؤال الأخلاقي، ويصبح كل شيء “مفهومًا” و”مبررًا” و”واقعيًا” ومعتاداً.إسرائيل تعتقل شعباً كاملا  وتنوي ترحيله من أرضه، وأمريكا تعتقل رئيس دولة لها سيادة وكأنها تملكها، وتتفكك دولة عريقة قديمة اللي دولتين، وسبقهم تفكيك سوريا وتنازل قيادتها التي كانت مصنفة إرهابية أمس عن أراضيها وجولانها  إلى إسرائيل. ومع ذلك.. لا يجوز أن يكون هذا المشهد نهاية الحكاية، الأمل ليس في تبرئة حاكم، ولا في شيطنة قوة، ولا إلقاء اللوم ، بل في استعادة المعنى:أن الدولة ليست غنيمة، وأن السيادة ليست منحة، وأن القانون، إن لم يُطبق على الجميع، سيفقد احترام الجميع.يمكننا النظر إلى ما يحدث من خلال المحاور الشارحة التالية:هذا زمن الجنون،لكن الأمل يظل قائمًاما دام هناك من يرفض أن يُقنع نفسهبأن الغابة قدر،وأن الصمت حكمة،وأن القوة عدالة.هذه ليست صرخة ضد دولة،بل صرخة من أجل الإنسانقبل أن يصبح هو الآخرتفصيلة منسيةفي هوامش نظام عالمي فقد عقله.

المحور الأول: انهيار فكرة الدولة•           إعلان انفصال اليمن إلى دولتين ليس حدثًا يمنيًا فقط ، هو استمرار لسلسلة: تفكيك الهوية ، وإنهاك الدولة ثم تقديم “الحل” في صورة تقسيمالخطر الحقيقي ليس في الانفصال ذاته، بل في تطبيع فكرة أن الدولة كيان قابل للكسر متى أرادت القوى الكبرى.

المحور الثاني: القوة فوق السيادة . إن اعتقال رئيس دولة ذات سيادة مثل فنزويلا وزوجته بواسطة الجيش الأمريكي . هنا لا نتحدث عن حب أو كراهية لشخص بل عن سابقة خطيرة:إذا كان رئيس دولة يمكن القبض عليه عسكريًافما الذي تبقى من مفهوم السيادة؟وهنا يظهر السؤال الفلسفي:•           هل القانون الدولي وُجد ليُطبق؟•           أم ليُستخدم حين يخدم الأقوياء ويُعلّق حين يزعجهم؟

المحور الثالث: العدالة الدولية… أسطورة جميلة فالعدالة لم تنهَار فجأة ، هي تنهار بالتقسيط.صمت هنا ، وازدواجية هناك.تبرير باسم “الأمن” وتجاهل باسم “الواقعية السياسية.”النتيجة هي  عالم بلا مرجعية أخلاقية إلا ميزان القوة.

المحور الرابع: لماذا الدول العربية دائمًا في مرمى التفكيك؟ لأن الدولة العربية غالبًاضعيفة المؤسسات، ممزقة الهوية ، محاصرة اقتصاديًا ، ومكشوفة استراتيجيًالكن الأخطر هو أن تفكيكها لا يُقابل بردع  حقيقي بل أحيانًا يُقدَّم كـ “حل”.ما نعيشه ليس صراع مصالح فقط، بل انفصال بين القوة والضمير.

حين تفقد البشرية قدرتها على احترام حدود الدول، وحدود القانون، وحدود الإنسان…فهي لا تتقدم، بل تنتكس إلى جنونها الأول.لم يعد الجنون استثناءً في سلوك البشرية، بل صار هو القاعدة.نستيقظ كل صباح على خبر يبدو وكأنه قادم من العصور الأولى:دول تتشقق، حدود تُمحى، سيادة تُنتهك،ًوالقانون الدولي… حاضر بالاسم، غائب بالفعل.كأن العالم قرر أن يخلع قناعه الحضاري، ويعود إلى صورته العارية:ًالقوة أولًا، والحق لاحقًا… إن أتى.

ما يحدث ليس سلسلة أحداث منفصلة،وبل مشهد واحد طويل، تتغير فيه الوجوه، ويظل المنطق واحدًا: من يملك القوة يكتب القواعد، ومن لا يملكها يُعاد تشكيله، أو كسره، أو تقسيمه.الدولة، التي كانت يومًا عقدًا أخلاقيًا بين الإنسان والأرض والتاريخ،تتحول اليوم إلى ملف قابل للتعديل،وحدود قابلة للمساومة، وشعوب تُعامل كأرقام وخسائر  جانبية في معادلات النفوذ.الأخطر من العنف نفسه، هو تطبيعه.أن نعتاد سماع أخبار التفكيك دون أن نرتجف،ًوالاعتقال دون أن نغضب،والصمت الدولي دون أن نسأل:إلى أين نمضي؟لقد انهارت فكرة العدالة الدولية لا بضربة واحدة، بل بسلسلة تنازلات صغيرة، كل منها كان “استثناءً مؤقتًا”، حتى صار الاستثناء هو القاعدة، وصار القانون أداة انتقائية،يُستخدم حين يخدم الأقوياء، ويُعلّق حين يقيّدهم.

ومع كل هذا السواد، يظل السؤال الأخطر معلقًا: هل هذا هو قدر البشرية؟ هل انتهى الحلم الإنساني عند حدود القوة؟لا…وهنا يبدأ الأمل.الأمل ليس في أن يتوقف الأقوياء عن ممارسة قوتهم، فالتاريخ لا يعرف هذا الترف، بل في أن تستعيد الشعوب وعيها،ًوأن تدرك أن التفكيك لا يبدأ من الخرائط، بل من العقول.الأمل في دولة قوية بمؤسساتها، لا بشعاراتها. في وعي جمعي يرفض أن يُستدرج إلى صراعات الهوية الضيقة،ووفي نخبة تعرف أن الصمت ليس حيادًا،ًبل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.الأمل في أن تدرك البشرية، قبل فوات الأوان،ًأن الغابة قد تحكم مؤقتًا، لكنها لا تبني حضارة، ولا تخلق استقرارًا، ولا تصنع مستقبلًا.قد يكون هذا زمن الجنون،ًلكن التاريخ علّمنا أن الجنون لا يدوم،وأن البشرية، رغم كل سقوطها، قادرة على التعلّم… إن أرادت.الصرخة اليوم ليست دعوة للعنف، بل دعوة للعقل ليست إعلان يأس، بل تحذير أخير قبل أن تتحول الغابة إلى وطن، والقوة إلى قانون، والإنسان إلى تفصيلة منسية في هوامش الخرائط.هذا المقال ليس نبوءة سوداء، بل محاولة أخيرة للتذكير: أن العالم لا يُنقذ بالقوة وحدها، بل بالضمير… حين يستيقظ.إذا كان هذا هو “النظام الدولي الجديد”، فعلينا أن نعترف بشجاعة: لسنا أمام نظام،ً بل أمام فراغ أخلاقي تملؤه القوة حين تشاء، وتنسحب منه العدالة حين تُزعج.الخطر لم يعد في دولة تُقسَّم، أو رئيس يُعتقل، بل في اعتيادنا المشهد، وفي قدرتنا المتزايدة على تبريره، وكأن الجنون حين يتكرر يتحول إلى منطق.حين تُكسر السيادة باسم القانون، ويُغتال القانون باسم الأمن، ويُطلب من الشعوب أن تصمت باسم الواقعية، فإن البشرية لا تتقدم خطوة،بل تتراجع قرونًا.الغابة لا تُخطئ،ًهي صادقة مع نفسها، لكن الكارثة حين تُسمّى الغابة “نظامًا عالميًا”، وحين يُطلب من الإنسان أن يصفقً لأنه ما زال حيًا.هذه ليست دعوة للتمرد، بل إنذار أخير للعقل: إما أن نستعيد فكرة العدالة قبل أن تنهار بالكامل،ًأو نستعد لعالمً لا تُحترم فيه دولة،ًولا يُحاسَب فيه قوي،ًولا يُسمَع فيه صوتً إلا بعد فوات الأوان.التاريخ لا يرحم الغافلين،وولا يسامح المتواطئين،ًولا يحترم من صمتً وهو يرى الجنون يُدار باسم الحكمة.وقبل أن نفقد العالم، قد نفقد المعنى نفسه:ًأن نكون بشرًا…لا مجرد ناجين في غابة بلا اسم.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى