بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالاتموقع ايجبتك

د. حسام بدراوي يكتب لـ«إيجبتكِ» .. الرسائل المُعادة والأسئلة المنسية.. نظرة علمية على الزمن والتقاليد

مثل كثيرين غيري، تصلني رسائل على الواتساب كل يوم جمعة، أحيانًا تهنئة بالمناسبات، وأحيانًا أدعية. وعندما يكون لديك عدد كبير من المعارف والأصدقاء والمسجلين في قائمة هاتفك، قد تصل هذه الرسائل إلى العشرات، بل المئات. لكنها ليست رسائل شخصية مكتوبة، بل منقولة كما هي من الآخرين، دون تغيير أو لمسة فردية. لا تدعو للرد؛ لكنها تدعو للتأمل: لماذا يرسل شخص رسالة لم يكتبها، إلى آخر قد لا يقرؤها، في كل جمعة أو مناسبة؟ ما دلالة هذا السلوك، وما فائدته؟.

في حوار مع «حالمو الغد»، ناقشنا هذه الظاهرة، وانتقلنا إلى موضوع أوسع: إعادة نشر المنشورات دون التحقق من مصدرها أو صدقها. فنحن أحيانًا نُسهم دون قصد في نشر أخبار كاذبة، أو ندعم شبكات تضليل هائلة يقف خلفها من يسعى لنشر السلبية في المجتمع.

كل ما أطلبه: تحقق قبل أن ترسل. استخدم علمك وذكاءك ووعيك. بعض المنشورات لا تكتفي بالكذب بل تُحرّف الأقوال، وتضيف صورًا مزيفة، وتنسج قصصًا كاملة بعيدة عن الحقيقة.

قالت شابة حالمة: «أعتقد أن رسائل الجمعة أصبحت جزءًا من سلوك المجتمع، بل دليلًا على تدينه. لكن هل ليوم الجمعة للمسلمين، والسبت لليهود، والأحد للمسيحيين قيمة روحية فعلًا؟ ما أصل الحكاية؟ وما علاقة الدين بأيام الأسبوع؟».

قلت: أراها علاقة تنظيمية ظرفية، لا علاقة إلهية. كنت قد أنهيت للتو قراءة كتاب «كوني الخاص» لجيمس بيلي، ثم «فيزياء المستقبل» لميتشيو كاكو، و«الكون الأنيق» لبرايان جرين، و«إجابات مختصرة لأسئلة كبيرة» لستيفن هوكينغ. أربكني ما قرأته عن الزمن، وأيقنت أن ما نعتبره بديهيات على الأرض هو نسبي تمامًا في الكون. تعمقت في اتساع الزمن وتقلصه، وعلاقته بسرعة الضوء والجاذبية، وكلها بدأت كنظريات علمية وأكدتها المعادلات الفلكية.

تأملت بعدها في عشرات الرسائل التي تصلني عن «ساعة استجابة» بعينها في يوم معين، كأن الله يختار ساعات محددة للاستجابة. فسألت نفسي: ما أهمية «اليوم» أصلاً؟ أي يوم؟ الزمن على الأرض نسبي جدًا — فما بالك بزمن المريخ، أو زحل، أو كوكب في مجرة أخرى؟.

أردت أن أشارك القارئ هذا التفكير خارج حدود المحلية (وفي هذه الحالة: الأرض)، إلى ما هو كوني.

قالت شابة أخرى: «اشرح أكثر…»

قلت: أدعوكم للتفكر والتأمل حتى نصل إلى رؤى تستحق النظر. فإذا كانت نظرية النسبية لأينشتاين تقول إن الزمن يتغير بتغير السرعة والمكان، وأنه مع الاقتراب من سرعة الضوء يتقلص الزمن وتذوب الكتلة، وعند بلوغها يتوقف الزمن وتزول المادة، فإنني أفهم الآن ما كنت أُطلب تصديقه بالإيمان وحده، دون تشغيل العقل.

قال شاب: «زي إيه يا دكتور؟ وما علاقة دا برسائل الجمعة؟»

قلت: أتأمل نسبية الزمن، وأتوقف أمام آيات من القرآن الكريم مثل:

“وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ”

ثم أضفت: كتابي  «الجرأة على التفكير»، الصادر عن دار المعارف، يناقش مثل هذه الأفكار لتوسيع المدارك والتمييز بين البشري والإلهي.

العلم جميل، والتساؤل أصل المعرفة.

ولمن يظنون أن العقل أُوقف عن العمل بعد شروح الأوائل قبل ألف عام، وأن الإيمان دون برهان هو الطريق إلى الله، أقول: لقد منحنا الله العقل لنتدبر ونتفكر، وبدأ كتابه بـ«اقرأ»، وما يميزنا عن باقي المخلوقات هو وعينا بهذه النعمة.

———

سأل شاب: «طيب نرجع لأيام الأسبوع، جت منين أسماؤها؟»

أجبت: في ثقافات كثيرة، اشتُقت أسماء الأيام من أسماء الكواكب الكلاسيكية في الفلك الهلنستي، والتي سُمّيت بدورها على أسماء آلهة معروفة آنذاك. بدأها السومريون، وتبناها البابليون، ثم دخلت في الثقافة الرومانية. واعتمدت المسيحية الأولى الأسبوع من سبعة أيام من التقويم العبري. بقي السبت مقدسًا لليهود، والأحد للمسيحيين.

سمّى البابليون أيامهم كالتالي:ديانا (القمر) = الإثنين  مارس = الثلاثاء  عطارد = الأربعاء  جوبيتر = الخميس  فينوس = الجمعة  زحل = السبت  أبوللو (الشمس) = الأحد

ثم تبنّى العرب هذا التقسيم السباعي للأسبوع، حيث لم يكن لديهم قبله نظام أسبوعي.

وفي مرحلة لاحقة، أصبحت الأسماء كالتالي:  (السبت، الأحد، الإثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس، الجمعة)،  من الأحد إلى الخميس اشتُقت من الترتيب العددي، و”الجمعة” من “الجمع” لأجل الصلاة.  ثم جاء القرآن مثبتًا هذا اليوم كيوم اجتماع وصلاة.

أما في اللاتينية والإنجليزية، فقد سُمّيت الأيام على أساس أجرام سماوية أو رموز أسطورية.

واستمر تأثير اللغات اليونانية واللاتينية والجرمانية القديمة في تشكيل أسماء الأسبوع بالإنجليزية الحديثة.

قلت في الختام: كلها انعكاسات ثقافية لأزمنة مختلفة. الأسبوع لم يكن موجودًا ثم وُجد، وكان في البداية خمسة أيام ثم صار سبعة. والأسماء تغيّرت حسب الثقافة السائدة. إنه إبداع إنساني له احترامه.

لكن البعض يظن، بل يؤمن، أن تكرار أسماء الأيام، أو تواليها في الشهور، له دلالة دينية، وكأن الزمن يعيد نفسه. وهذا غير صحيح. فبحسب دوران الأرض حول الشمس، وحركة المجموعة الشمسية ككل، وسفرها في الكون، فإن العودة لنفس الوضع الكوني في اليوم أو الشهر نفسه أمر مستحيل.

وبالتالي، فإن الخالق، القريب منا قرب الوريد، لا يُقيد بدوام زمني لسماع الدعاء. التقسيمات الأسبوعية واليومية هي لتنظيم حياة البشر، لا تخص الله، لأن الله موجود في كل وقت، وكل مكان، وكل زمان.

لكن من منظور عقلاني آخر، فإن الدعاء هو طاقة إيجابية نوجهها نحو الخير ومن نحب. وإذا اتحدت مجموعة من البشر في وقت معين بالدعاء، زاد تأثير هذه الطاقة.

هتاف الجماهير في ملعب كرة قدم يخلق طاقة جماعية تؤثر على كيمياء اللاعبين وتعزز أدائهم. ولهذا يُقال إن “الأرض تلعب مع أصحابها”.  وربما كان توحيد الدعاء — يوم الجمعة للمسلمين، السبت لليهود، الأحد للمسيحيين — وسيلة لتوليد طاقة جمعية نحو الخير. والله أعلم.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى