د. حسام بدراوي في عام 2025صحافةمقالات عن د. حسام بدراوي

بين القمحِ والفكر… شكرًا د. «حسام بدراوى» – فاطمة ناعوت

بين القمحِ والفكر… شكرًا د. «حسام بدراوى»
فاطمة ناعوت
ما بين رؤوس القمح التى تحاكمنى، وبين أصوات الفكر التى تساندنى، جاء صوتُ الدكتور «حسام بدراوى» ليمنح أحدث كتبى بُعدًا أعمق. لم تكن مقدمته تصديرًا تقليديًا لكتاب، بل مرافعة فكرية وإنسانية وإصلاحية، كتَبها عقلٌ كبير، وقلبٌ صوفى التكوين.
فى مقدمته لكتابى «محاكمة القمح… حوارٌ مع صديقى المتطرف» الصادر مؤخرًا عن مكتبة مدبولى، لم يكتفِ الدكتور «بدراوى» بتحليل النصّ، بل قرأه بعين القلب قبل قلم النقد، مقدّمًا قراءة شفيفة التقطت من استهلال الكتاب جذور انتمائى إلى عائلةٍ صوفية التوجّه، ترى فى تعدد سبل الإيمان بالله تجلياتٍ متباينةً لإلهٍ واحد، لا مدعاةً للفُرقة والشقاق والاقتتال والتناحر.
ولم يغفل عن زهرة حياتى، ابنى «عمر»، فنّانى الصغير على طيف التوحد، الذى أهديتُ له الكتابَ، مثلما أهديتُ له قلبى وعُمرى. لمس «بدراوى» هذا الإهداء بكلماته، فاحتفى بـ«عمر» كما احتفى به الشرفاءُ فى حياتى، بكلماتٍ دافئة أضاءت قلبى وأكّدت لى أن المعركة الفكرية مازالت تجد حلفاءَ نبلاء لا يخافون الوصم، ولا يُغريهم الصمت.
حين طلبتُ من الدكتور «حسام بدراوى» كتابة تصدير لهذه الطبعة الجديدة، لم أندهش من غوصه فى النص بهذا العمق، والتقاط الإشارات الوجدانية والفكرية التى نسجتُها على مهلٍ كمن يخطّ رسائلَ فوق صفحة نهر.
الكتاب، فى طبعته الأولى، كان بعنوان «حوار مع صديقى المتطرف» صدر خلال ذروة معاركنا القاسية مع فصيل الإخوان والتكفيريين، وها هو يعود اليوم باسم «محاكمة القمح» بعد عشر سنوات، وكأننا، فى عمقنا الجمعى، لانزال ندور فى الدوامة ذاتها، رغم محاولات الإصلاح الفكرى من القيادة السياسية الحكيمة المتمثلة فى شخص الرئيس «السيسى».
كتب «حسام بدراوى» فى مقدمته أن مهمته لم تكن سهلة، كما تخيّل، بل وجد نفسَه أمام نصّ حى بكل جراحه لم يَشِخ، ومواجهةٍ لم تُحسم. فرياح التكفير والتخوين مازالت تهبّ، وكأننا نسير فى طريقٍ رملى، نتعثّر كلما حاولنا النهوض!
قال فى مقدمته إن قضايا الكتاب، الذى حظى بانتشار واسع عند صدوره الأول، لم تَبلَ، بل تُطلّ برأسها رغم مرور الزمن، وإن قرار الإبقاء على النص كما هو، دون تعديل، كان خيارًا مقصودًا يعكس مواجهة واقع مازال يتطلب التغيير؛ رغم ثمار الإصلاح. كما لفت إلى ما نتعرض له، حتى اليوم، من اتهامات جاهزة من تيارات لا تقرأ، بل تقتات على التحريض والتكفير، وتُهاجم كل من يجرؤ على التفكير أو مساءلة المألوف. وتساءل إن كانت الصداقة ممكنة مع شخص متطرّف، ثم بيّن أن «الصديق المتطرف» ليس شخصًا، بل رمزٌ لفكرةٍ كامنة، وصوتٍ داخلى لا لوجهٍ خارجى. واختتم بالإشارة إلى أن الكتاب يحوى أكثر من تسعين مقالًا، كل واحد منها يستحق وقفة وتأملًا، حتى كاد التقديم نفسه يتحوّل إلى كتابٍ موازٍ.
توقف المفكر الكبير عند أهمية الاتفاق على المصطلحات قبل أى حوار عقلانى: «ديمقراطية، علمانية، عقيدة، مواطنة»… كلماتٌ نقاتل باسمها، دون أن نتفق على معناها؛ مشيرًا إلى أحد فصول الكتاب قلتُ فيه: «سيولة المصطلحات وارتباك اللغة والمفاهيم والتعاريف لدى البعض، إضافة إلى تسييس الأفكار الفلسفية المطلقة، أحد أهم أسباب الصراع الفكرى فى مجتمعاتنا». واستشهد بعدد من مقالاتى التى واجهتُ فيها «الصديق المتطرف» بالعقل والمنطق، وذكّر بأنّ جوهر الأديان جميعًا هو الجمال، والرحمة، والعدل، لا الوصاية، ولا القتل، ولا التكفير.
وفى لفتة شاعرية، اختار «بدراوى» أن يختم مقدمته الطويلة الأنيقة باقتباس من خاتمة الكتاب، من ذلك الفصل الحُلمى الذى تخيلتُ فيه سنابل القمح قد عقدت لى محاكمة، تسألنى فيها عن معنى الوطن، ومآلات المطاردة، وشيوخ القبيلة الغلاظ، والسجن. فكانت إجاباتى أقرب إلى مناجاة للحق والخير والجمال، يتجسد فيها حُلمى بعالم نقى لا كراهية فيه ولا بغضاء ولا ظلم ولا ظلام.
لهذا يقول «بدراوى» إنه لمح فى كلماتى «حزنًا دفينًا وألمًا متجددًا»، وتمنى أن أستطيع تجاوزه. وأقولُ له: نعم، حزنى لم ينطفئ، لكنه لا يُطفئ جذوة الأمل، وألمى لا يُنكر، لكنه لم يصبنى باليأس. فالحياة تستحق المقاومة، والوطن يستحقُّ النضال، والأملُ قائمٌ لأن العقول الواعية لا تصمت.
ما فعله الدكتور «حسام بدراوى» لم يكن تقديمًا لكتابى، بل شراكة فى رسالته. شهادةٌ حيّة على ضرورة أن نفتح الأذهان، ونغسل القلوب، ونتجرّأ على التفكير، لأن القمح لا ينمو إلا فى أرضٍ حرّة يحميها «الحالمون بالغد».
شكرًا للدكتور «حسام بدراوى»، الذى لم يكتب مقدمة، بل منح الكتاب روحًا ثانية بكتابته مرافعة فكرية، وقراءة صوفية لمناخ الكتاب. وشكرًا لمكتبة مدبولى، التى رأت أن إعادة طباعة هذا العمل ليست تكرارًا للماضى، بل ضرورة للحاضر، ومساهمة فى صناعة المستقبل.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى