بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

الحكمة والأخلاق والمهارة لأعظم المهن الإنسانية بقلم حسام بدراوي

الحكمة والأخلاق والمهارة لأعظم المهن الإنسانية
شكراً زملائي
بقلم
حسام بدراوي
تنتهي أسماء كثير من الأورام في لغتنا الطبية بالمقطع اللاتيني Oma: Fibroma، Lymphoma، Sarcoma… وغيرها.
ومن باب السخرية التي يلجأ إليها الأطباء أحيانًا لمواجهة قسوة المهنة ومفارقاتها، ابتكرنا تعبيرًا طريفًا هو:
Recommendoma
وهو ليس تشخيصًا طبيًا معترفًا به، ولا مرضًا يصيب عضوًا من أعضاء الجسد، بل حالة نفسية ومهنية قد تصيب الفريق الطبي عندما يكون المريض قريبًا أو صديقًا أو شخصية موصى بها توصية خاصة.
عندها قد ينقلب فرط الاهتمام إلى ارتباك، والحرص الزائد إلى تدخلات أكثر من اللازم، والرغبة في منع كل احتمال للمضاعفات إلى قرارات قد تخلق مضاعفات لم تكن لتحدث لو عولج المريض بالهدوء والانضباط نفسيهما اللذين يُعالَج بهما أي مريض آخر.
فليست قلة الاهتمام وحدها ما قد يضر المريض؛ أحيانًا يضره أيضًا فائض الاهتمام عندما يفقد اتزانه.
تذكرت هذا المصطلح خلال الأزمة الصحية الأخيرة التي مرت بها زوجتي، خلال الساعات القليلة الماضية، حين تعثرت في الحمام، فسقطت وأصيبت بكسر في عنق عظمة الفخذ، وهو كسر يستلزم سرعة في التشخيص واتخاذ القرار، خصوصًا مع ظروفها الصحية الدقيقة، وتاريخها المرضي القلبي، وتناولها أدوية تزيد سيولة الدم.
كان أول من خطر في بالي أنا وابنتي وأختي لحظة الحادث هو الدكتور “علي المفتي، “الذي لا نعتبره مجرد طبيب أو صديق، بل واحدًا من أفراد أسرتنا، منذ أن كنا في النيل بدراوي، نلجأ اليه ونسأل مشورته منذ سنين.
لم يحتج الأمر منه إلى أكثر من لحظات. ترك عيادته ومرضاه، وجاء إلينا بينما كانت “منيرة” لا تزال على أرض الحمام بعد سقوطها.
فحصها، وأدرك خطورة الموقف، وقرر ضرورة نقلها بسيارة الإسعاف إلى المستشفى وإجراء الأشعة اللازمة.
وأكدت الأشعة المقطعية صحة تشخيصه: كسر في عنق عظمة الفخذ.
منذ تلك اللحظة، فتح د. “علي” أمامنا بوضوح وهدوء خريطة الاحتمالات: طبيعة الكسر، والبدائل المتاحة، ومخاطر الانتظار، وما ينبغي إنجازه خلال الساعات الاربعة والعشرين الأولى. لم يخفِ عنا صعوبة القرار، لكنه لم يسمح أيضًا للخوف بأن يحل محل التفكير.
كان علينا أن نوازن بين مخاطر متعارضة؛ فالجراحة العاجلة ضرورية، لكن إجراؤها لمريضة قلب تتناول أدوية السيولة يحمل بدوره مخاطر لا يمكن تجاهلها. وكان لا بد من اختيار نوع الجراحة وتوقيتها والفريق الذي سيجريها وسط بدائل، لا يخلو أي منها من احتمال مؤلم.
تواصلت مع ابني وصديقي د. “تامر عويس ” جراح القلب الشهير الذي أشرف علي عملية نقل استبدال صمام قلب “منيرة” في المانيا منذ عشر سنوات. لم يجري الجراحة بنفسه ولكن لولاه ما كنا استطعنا استكمال الطريق.
تخصصه في الإجراء بدون فتح الصدر في تغيير الصمامات وعمليتها كانت في الميترالي و شاهدت وأنا في المانيا عظمة مصر وشبابها ونجاح أولادها وقدراتهم.
كتبت عن مهارة” د. تامر ” ووضعه ووقفت بجانبه بعد ذلك لأن محبتي له ولأسرته نسجت علاقة استثنائية معه وفخراً به.
قال لي. د. تامر: سأركب الطائرة وأترك كل التزاماتي وآتي الي القاهرة لأكون معكم ..
وعرّفني بمن يثق به ويعمل معه استشاري التخدير “د. طارق مرعي” ، الذي تواصل معي فور اتصال د. تامر معه الذي شرح له حالة “منير القلبية وأدويتها وحساسية حالتها.
د. طارق مرعي
“د. طارق “شاب آخر عرفتني الأزمة به وبفريقه ، وأدت لحظة الأزمة الي رؤية جمال مصر أكثر بشبابها وكفاءة أطباءها.
التخدير هنا كان دوره حاسماً في درء مخاطر الجراحة والحفاظ علي المريضة.
وهنا بعد عشر سنوات ، وفي لحظة ألم وخوف وقلق ظهر أمامي شبح الـRecommendoma
د.علي المفتي
أنا أعلم ،علم اليقين ، كفاءة الدكتور “علي المفتي” أستاذ جراحة العظام وخبرته، وأثق في قدرته على إجراء الجراحة لزوجتي ، لكن قربه الشديد منا، ومحبتنا له ومحبته لي ولها ، جعلا القلق يتسلل إلى داخلي.
فنحن الأطباء نعرف أن علاج المقربين ليس أمرًا بسيطًا. فحين يصبح المريض جزءًا من وجدان الطبيب، قد تدخل المشاعر والتقدير إلى مساحة القرار المهني. وقد يخشى الطبيب إجراءً ضروريًا، أو يبالغ في إجراء احترازي، أو يفقد تلك المسافة النفسية الدقيقة التي تسمح له بأن يرى الحالة كما هي، لا كما يخاف أن تصبح.
إن الحياد الكامل قد يكون وهمًا، لكن وجود قدر كافٍ من المسافة النفسية ضرورة لحسن الحكم.
قلت بيني وبين نفسي هل اختيار التوجه إلى جراح آخر، مشهود له بالكفاءة، لكنه لا يمت إلينا بصلة شخصية؛ حتى تُجرى الجراحة في مناخ مهني هادئ، بعيدًا عن ثقل القرب والخوف من حدوث مضاعفات أفضل وأعقل في هذه اللحظه أم لا.
لكن هذا القرار نفسه كان يحمل حرجًا إنسانيًا بالغًا.
كيف أقول لصديق أثق في كفاءته، وقد ترك عيادته وجاء إلينا في لحظة الأزمة، إنه يستحسن أن يجري الجراحة طبيب آخر؟ كيف أشرح له أن الأمر لا يتعلق بالشك في قدرته، بل ربما بفرط ثقتي في محبته لنا؟ وأن خوفي ليس منه، بل عليه من ذلك العبء النفسي الذي قد يصاحب علاج زوجتي؟
كانت لحظة شديدة الحساسية، يتداخل فيها الطب بالصداقة، والثقة بالخوف، والامتنان بالحرج.
لكن الدكتور “علي المفتي” أنقذني من كل ذلك.
فبحكمته وخبرته وفهمه لما يدور في نفسي، شاركني الترحيب باختيار الجراح، بل اختاره معي بنفسه بشكل غير مباشر. لم يتعامل مع الأمر بوصفه انتقاصًا من مكانته، ولم يدخل في منافسة مهنية هو أكبر منها، ولم يجعل ذاته طرفًا في القرار. وضع “منيرة ” وسلامتها في مركز الصورة، ثم تنحى هو خطوة إلى الخلف ليضمن أن يتقدم إلى الأمام من يراه الأنسب لتلك اللحظة.
توقفت أمام موقفه طويلًا وسألت نفسي:
ما هذه العظمة؟ وما هذه الثقة بالنفس؟
لقد تعلمنا أن الثقة بالنفس تعني أن يتقدم الإنسان، وأن يثبت قدرته، وأن يقول: «أنا أستطيع».
وأحيانًا يقول أنا وحدي الذي أستطيع. لكنني رأيت في هذا الموقف مرتبة أرقى من الثقة؛ أن يعرف الإنسان قدرته، ومع ذلك يستطيع أن يقول: «غيري قد يكون الأنسب الآن».
الثقة الهشة تحتاج دائمًا إلى إثبات الذات. أما الثقة الراسخة فلا تخشى أن تمنح المساحة لغيرها.
والطبيب العظيم ليس فقط من يجيد إجراء الجراحة، بل من يجيد أيضًا تحديد مَن ينبغي أن يجريها. وليس فقط من يعرف متى يتدخل، بل من يمتلك الحكمة التي تجعله يعرف متى يترك الدور لزميل آخر برعايته.
في الطب، كما في الحياة، قد نتصور أن البطولة هي أن نفعل كل شيء بأنفسنا. لكن البطولة الحقيقية قد تكون أحيانًا في ألا نفعل، وفي أن نختار وأن نمنح الأولوية للنتيجة لا للدور، وللمريض لا للطبيب، وللواجب لا للذات.
هذا هو الفارق بين من يمارس الطب بوصفه مهارة، ومن يمارسه بوصفه أخلاقًا.
فالطبيب المهني لا يسأل: من سينال التقدير؟ بل يسأل: ما الذي يحقق أكبر قدر من الأمان للمريض؟ ولا يعتبر تحويل الحالة إلى زميل آخر انتقاصاً، بل قد يراه تعبيرًا عن أعلى درجات المسؤولية. إنه يدرك أن المريض ليس ساحة لإثبات التفوق، وأن القرار الطبي ليس مسابقة شخصية، وأن الاعتراف بكفاءة الآخرين لا ينتقص من كفاءته، بل يكشف عن نضجه.
لقد كان” د. علي” حاضرًا منذ اللحظة الأولى: جاء إلى البيت، وشخّص الحالة، وأصر على سرعة النقل، وشرح البدائل، وساعدنا في اتخاذ القرار، ثم شارك في اختيار الجراح. لم يتخلَّ عنا حين اختار ألا يكون هو من يجري العملية، بل أدى دورًا أكبر: حمى المريضة، وحمى القرار، وحمانا من الارتباك والحرج.
فالقيمة ليست دائمًا في اليد التي تمسك بالمشرط؛ قد تكون أيضًا في العقل الذي يختار، والقلب الذي يطمئن، والضمير الذي يضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار.
علمتني هذه التجربة أن الـRecommendoma لا تُقاوَم بقلة الاهتمام، وإنما بانضباطه. ولا تُعالَج بالابتعاد عن المريض الذي نحبه، بل بمنع محبتنا له من أن تشوش الحكم الطبي. فالاهتمام الحقيقي ليس مزيدًا من الفحوص والإجراءات بالضرورة، وإنما مزيد من الدقة والتجرد والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح.
وعلمتني أيضًا أن أجمل ما في الصداقة ليس أن يتمسك الصديق بدوره، بل أن يتجرد منه حين يرى أن مصلحتك تقتضي ذلك.
أما أعظم ما في الطبيب، فليس أن يثق بأن لديه القدرة على أن يفعل كل شيء، بل أن تكون ثقته بنفسه كبيرة إلى الحد الذي يسمح له بأن يختار غيره بلا حساسية، وأن يفرح بنجاحه، وأن يظل حاضرًا في المقدمة من الخلفية، حارسًا للمريض وللقرار.
شكرًا للدكتور” علي المفتي”؛ ليس فقط لأنه حضر في لحظة الخطر، ولا لأنه ساعدنا بعلمه وخبرته، ولكن لأنه قدّم لنا درسًا نادرًا في الصداقة والمهنية والثقة بالنفس.
هناك من يكبر في أعيننا بما يفعله.
وهناك من يكبر أكثر بما يستطيع أن يفعله، ثم يختار، في اللحظة المناسبة، أن يعهد به إلى غيره.
وتلك، في تقديري، ليست مجرد كفاءة طبيب…
إنها عظمة إنسان.
ولا يمكن أن أنهي هذا المقال بدون الإشارة الي مستشفي “رفيدة ” بزايد والتي تقودها
د.أميمة إدريس
زميلتي وتلميذتي د. أميمة إدريس وأختها د. أميرة.
المستشفي توسعت وامتلأت بالخبرات المؤسسية ، وتعمقت باختيارات كفاءات تمريضية ممتازة وأجهزة علي أعلي مستوي.
قسم العيون رائع ، وإضافة قسم جراحات العظام والتوسع في قسم الأشعة المقطعية ووحدة الطوارئ تطورت بكفاءة مذهلة.
فخور بآل إدريس وانجازاتهن وادارتهن لصرح طبي عظيم في مصر.
أما ابني وتلميذي ” د. عمر عبد العزيز” مؤسس ومدير مستشفي الندي الذي كان خارج البلاد ، فقد أثرني بتواصله كل عدة ساعات وتعريفي بالجراح الذي أجري العملية” د. محمد ربيع” الذي بهرني بحرفيّته وسرعته وكفائته في الإجراء.
د. عمر عبد العزيز يدير مستشفي يعتبرها الكثيرين مستشفي منافس لمستشفي رفيدة ، ولكن ها هو المنافس يتكامل مع المنافس ويرسل أفضل جراحيه الينا ويعلو فوق اللحظة وينير الطريق بالعلم والحكمة ويظلل القرارات بالمحبة والصداقة.
أقول قولي هذا لأقول ان الله سبحانه نسج حولنا نسيجاً من زملاء مهنة افخر بانتمائي اليها ، واضع الضوء علي جمال مصر وشبابها بفخر واعتزاز وأقول للجميع اني أحكي تجربتي ليري الجميع ان مجتمعنا بخير ملئ بتراكم خبرات ونجاحات والأهم بأخلاقيات المهنة التي أشير اليها ليشاركني الجميع في إيجابية النظر لواقع بلادي العظيمة بناسها وأطبائها ومؤسساتها.
دائماً عندي أمل.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى