
في كل تحول تكنولوجي كبير عبر التاريخ، يطل علينا السؤال القديم المتجدد: كيف نحمي قيم المجتمع؟ ومع كل جيل جديد، يتكرر القلق ذاته؛ من الصحف قديمًا، إلى السينما، إلى التلفزيون، ثم الإنترنت، والآن منصات الفيديو القصيرة مثل “تيك توك” و”ريلز” ووسائل السوشيال ميديا المتجدده ، لكن ما لم يتغير هو أن التكنولوجيا لا يمكن إيقافها بقرار إداري أو عقوبة صارمة، بل تفرض حضورها على الجميع، شئنا أم أبينا.
الوهم الكبير هو أن المنع يحمي القيم، والحقيقة أن التوجه نحو التضييق والمنع والعقاب يبدو للبعض حلاً سريعًا وسهلًا. لكن الحقيقة أن هذا الطريق، مهما بدا صارمًا، يحمل وهمًا خطيرًا؛ فهو لا يمنع إلا الخير النافع، بينما يترك المضر يجد ألف وسيلة بديلة للانتشار. فالمنع لا يصنع الوعي، بل يؤجل الانفجار. والقيم لا تُبنى بالخوف، بل بالممارسة الحرة الواعية.
القوة الحقيقية هي وعي ومحتوى بديل فإذا كانت هذه الوسائل هي لغة الشباب، فالأجدى أن نخاطبهم بلغتهم، لا أن نصادرها منهم. علينا أن نزرع في فضاء هذه المنصات محتوى جيدًا، ممتعًا، وثقافيًا في الوقت ذاته. الوعي لا يُفرض، بل يُكتسب، ولا يتشكل بالمنع، بل بالتجربة. فالتوازن المجتمعي لا يُصنع عبر القوانين وحدها، بل عبر تربية الذوق، وإطلاق طاقات الإبداع، وفتح مساحات التعبير.
إن التجربة هي الحكم فالمجتمع، مثل الفرد، يتعلم بالتجربة. وقد يخطئ الشباب في استخدام الوسيلة الجديدة، لكنهم عبر الخطأ والتصحيح يصنعون مناعة داخلية أقوى من أي رقابة. فكما لا يمكن أن نمنع البحر من مدّه، لا يمكن أن نوقف سيل التكنولوجيا، بل يمكننا أن نتعلم السباحة في أمواجه، وتوجيهها نحو الخير.
إن مستقبل القيم في عصر السوشيال ميديا المتجدده لن يُبنى على جدران المنع، بل على جسور الوعي. فالتحدي الحقيقي ليس كيف نُسكت الأصوات المزعجة، بل كيف نُسمع الأصوات الملهمة. وإذا كان لكل جيل وسيلته، فإن وسيلة هذا الجيل تستحق أن تُستثمر لا أن تُحارب، وأن تُثري لا أن تُقيد.

