بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ«الحرية»: سفينة الزمن على ضفاف الأبدية

على حافة الصحراء، حيث يلتقي أفق الرمال بأفق السماء، تقف سفينةٌ من زجاجٍ ونورٍ، ليست لتبحر في الماء، بل في الزمن.

المتحف المصري الكبير
المتحف المصري الكبير

إن المتحف المصري الكبير ليس مجرّد مبنى، بل آلة زمنية صُنعت لتُعيد تشغيل شريط التاريخ بصوتٍ أعلى، وبصورةٍ أوضح، وبقلبٍ ينبض للأجيال القادمة.

إنها اللحظة التي يتوقّف فيها الزمن ثم ينطلق.. تخيّل أنك تقف أمام هرم خوفو، وفجأة يُضاء المتحف خلفك كنجمٍ سقط على الأرض.
ليس هذا افتتاحًا، بل إعادة تشغيل للحضارة.
كأن مصر تقول للعالم:
كنتُ هنا قبل أن تُخترع الكتابة، وسأظلّ هنا بعد أن تُنسى اللغات

في تلك اللحظة، لا تُعرض الآثار فقط، بل لتروي الزمن.
تمثال رمسيس الثاني لا يقف ليُرى، بل ليُسأل:
«أيها الملك، هل ما زلتَ تحكم؟»
وتوت عنخ آمون لا يبتسم للكاميرات، بل يهمس للطفل الذي يمرّ بجانبه:
كنتُ في عمرك حين حكمتُ أكمل مكان في العالم

إنه ليس متحفًا.. بل حوارًا بين أرواح.

المتحف ليس مستودعًا للحجارة، بل غرفة حوار بين نفوس عبرت آلاف السنين.
هنا، يجلس الفرعون بجانب المهندس المصري الذي صمّم المتحف يتبادلان النظرات.

• الأول يقولبنيتُ هرمًا لأعيش إلى الأبد“، والثاني يردوبنيتُ لك منزلًا يرى فيه العالم أبديتك

وفي الظل، يقف حجر رشيد كشاهدٍ صامت، يبتسم لأن لغته – التي فكّها شامبليون – أصبحت الآن تُرجمة حية على شاشاتٍ تفاعلية، تتحدث بلغة كل زائر.

لأول مرة، تُعرض كنوز توت عنخ آمون كاملة في قاعةٍ واحدة، كأن الملك الصغير يعود ليفتتح قصره الجديد.
ولأول مرة، مركب خوفو – التي نامت ٤٥٠٠ سنة تحت الرمال – تطفو في بركةٍ من نور، كأنها تستعد لرحلةٍ أخيرة إلى النجوم.
ولأول مرة، يرى الزائر حجر نارمر ليس كقطعةٍ أثرية، بل كوثيقة ميلاد أول دولة في التاريخ.

هذا المتحف ليس للسياحة… بل للذاكرة الإنسانية.هذا المتحف لم يُبنى ليجذب السائح، بل ليُعيد للإنسان ذاكرته المفقودة.
في زمنٍ تُمحى فيه الهويات، وفي إشراقة حياة، تقف مصر لتقول«إن كنتم تبحثون عن جذوركم، فهي هنا، تحت قدميكم، في كل حجرٍ، في كل رمزٍ، في كل نفسٍ من نسيم النيل».

لم يكن هذا المشروع مصريًا فقط.
كانت اليابان تُموّل، واليونسكو تُشرف، والعالم يُتابع، لكن الروح كانت مصرية.
المهندس الذي صمّم الواجهة الزجاجية، والعامل الذي رفع الحجر الأخير، والعالم الذي فكّ شفرة النصّ المنقوش – كلهم يحملون نفس الدم الذي جرى في عروق باني الأهرام وجدودنا القدماء.

أيها السادة المستقبل يبدأ من هنا، ففي المتحف، لا تنتهي الرحلة عند آخر قاعة ، بل تبدأ.
في معامل الترميم، يُعيد العلماء إحياء برديةٍ متهالكة.
في قاعات التعليم، يرسم طفلٌ مصريٌ او عالمي هرمًا بألوانٍ لم تُخترع بعد.
وفي الواقع الافتراضي، يمشي الزائر داخل معبدٍ لم يُبنَ في الماض.

نحن لسنا زوارًا.. نحن شهود، فحين تدخل المتحف المصري الكبير، لا تدخل كزائر، بل كشاهد.
شاهد على لحظةٍ تاريخية تُعيد فيها مصر كتابة قصتها بأحرفٍ من نور.
شاهد على حوارٍ بين الماضي والمستقبل، يقوده حجرٌ صامت وطفلٌ يضحك.

في النهاية، المتحف ليس مبنى، بل نبض.
نبض مصر التي ترفض أن تُدفن في كتب التاريخ، وتُصرّ على أن تُعاش، تُروى، تُغنى، تُرسم، تُكتب.. إلى ما لا نهاية.

لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى