المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

الهوية والانتماء والجنسية بقلم حسام بدراوي

الهوية والانتماء والجنسية
الأربعاء 15 أكتوبر 2025

سعدت جدا بفوز العالم عمر ياغى بجائزة نوبل فى الكيمياء لعام ٢٠٢٥، ولاحظت أن مصادر الأخبار السعودية تشيد به كأول سعودى يفوز بنوبل، وهو ما أسعدنى أيضا ولما بحثت فى الخبر من مصادر أخرى وجدت أنه فلسطينى- أمريكى، فى الأصل ويحمل أيضا جنسية سعودية.
فكرت فى شخصيات متعددة أعرفها فى نفس الموقف، وفى التاريخ، الذين رغم أصولهم فى النشأة يحملون جنسيات أخرى وفى فلسفة وجودهم على الساحة الدولية.
فكرت فى الدكتور مجدى يعقوب والدكتور فاروق الباز، والإعلامى عمرو أديب والعالم الدكتور أسامة حمدى وغيرهم وغيرهم، فى حالة فوزهم بجوائز لها ثقل دولى وتاريخى فى الطب أو الفيزياء أو الإعلام أو الثقافة، فمن الذى سيعلن من الدول فخرها بهم، مصر أم السعودية أم إنجلترا أم أمريكا، الأصل أم الجنسية؟، وكيف سيشعرون هم ولمن سيعلنون انتماءهم؟.
الإنسان يولد على أرضٍ لم يخترها، وتُمنَح له هويةٌ بلغةٍ لم يشارك فى صياغتها، ويحمل اسما رسميا لا يعبر بالضرورة عن عمق ذاته.
ومع مرور الزمن، قد يهاجر، أو يُجبر على الرحيل، أو يختار وطنًا جديدًا يمنحه أوراقًا قانونية تُسمّى «جنسية» للحصول على ميزة أو معارف أو هربا من ملاحقة، أو لقرار واعٍ بتغيير هويته وأسرته..
لكن: هل يصبح بذلك ابنًا صادقًا للوطن الجديد؟، أم يظل فى داخله وطن آخر لا يشيخ ولا يُمحى؟.
الهوية ليست إقامة بل رحلة، إنها تراكم تجارب، وذاكرة طفولة، وصوت أم، وتفاعل مع أسرة ومجتمع فى حى ومدرسة، فى ألم وفرح، وفى نجاح وفشل. الإنسان لا يهاجر وحده، بل تصاحبه ظلال طفولته وأسماء شوارعه الأولى، ولذا، حين يُسأل: «من أين أنت؟» لا يجيب فقط باسم الدولة المطبوعة على جوازه، بل باسم الأرض التى تشبه صوته الداخلى.
الانتماء نوعان: الأول موروث كالنَّسب، يسكن فى الجينات واللغة والعادات والذاكرة. والثانى مكتسب، يتشكّل بالمشاركة، بالعمل، بالعطاء، وبالإحساس بالمسؤولية تجاه وطنٍ يحتضنك.
لكن، هل يملك أحد أن يختار بين الاثنين؟. ربما لا.
فالإنسان قد يحمل بداخله أكثر من وطن، وأكثر من انتماء، يعيش ازدواجًا نبيلا بين الأصل الذى منه خرج، والمستقبل الذى فيه يحيا. أعتقد أنه حتى بعد الحصول على جنسية جديدة يحتاج إلى زمن ليكون منتميا وليس مجرد اسم على بطاقة أو جواز سفر. كم جيلًا يحتاج الإنسان ليصير «منتميا»؟.
يقول علماء الاجتماع إن ثلاثة أجيال كافية لتذوب الجذور الأولى وتُعاد صياغة الهوية: جيل يهاجر، جيل يتأقلم، وجيل يندمج. لكن الفلاسفة يهمسون بأن الزمن وحده لا يكفى، فالهوية ليست فى عدد السنوات، بل فى عمق الإحساس بالمعنى.
قد يعيش إنسان خمسين عامًا فى وطن جديد دون أن يشعر أنه «منه»، بينما يولد آخر فى المهجر، لكنه يحمل فى صوته ونبضه روح أجداده البعيدة، فالانتماء لا يُقاس بالإقامة، بل بالتماهى، وبالقدرة على أن ترى نفسك فى ملامح الناس حولك.
جواز السفر وثيقة عبور لا شهادة انتماء، جواز السفر يمنحك حق المرور، لا حق الذاكرة. إنه تصريحٌ مؤقت للعبور بين الحدود، لكنه لا يحدد حدودك الداخلية. كم من إنسان يحمل جوازًا أجنبيًا، لكنه ما زال يشعر بالغربة بين لسانٍ لا يتقنه وثقافةٍ لا تعكس وجدانه. وكم من آخرٍ بلا جنسية، لكنه منغرس فى أرضه كما الشجر العتيق.
الثقافة هى الذاكرة الجماعية التى تربط الأصل بالمكتسب، هى ما نحمله معنا حين نغادر، وما لا يسقط من حقيبة الروح.
اللغة، والموسيقى، والأكل، والمثل الشعبية، والضحكة، كلها بقايا وطنٍ يسكننا.
وحين نحيا فى وطن جديد، لا نفقد بالضرورة انتماءنا الأول، بل قد نعيد تعريفه فى ضوء تجربة أوسع، قد تجعلنا أكثر فهمًا للإنسانية ذاتها.
لذلك أشارك القارئ فلسفة الانتماء الموروث والانتماء المكتسب.
الحياة مركبة فالإنسان يحمل أصلا لا يُمحى، ويكتسب هوية جديدة تُثريه، والمشكلة لا تنشأ من هذا التعدّد، بل من محاولة نفى أحد الوجهين. فمن يفقد أصله يتيه، ومن يرفض الجديد يعجز عن الاندماج.
الوعى الناضج هو ذاك الذى يدرك أن الهوية ليست «بديلًا» بل «تراكبًا»، وأن الانتماء لا يُقاس بمكان الميلاد، بل بعمق الإحساس بالمسؤولية.
فى النهاية، لا يملك الإنسان سوى ذاته كوطنٍ دائم. فإذا كان صادقًا مع نفسه، منفتحًا على العالم، محبًا للبشر، صار مواطنًا فى الوطن الأكبر وطن الإنسان.
الوطن الحقيقى ليس على الخريطة، بل فى الضمير الذى يربطك بالخير، فى اللغة التى ينطق بها حبك، فى اليد التى تمتد بالعطاء دون سؤال عن الأصل أو الجنسية.
ومضة الختام: نحو هوية كونية
فى أعمق مستويات الوعى، يدرك الإنسان أن انتماءه الحقيقى لا تحدّه خرائط ولا تقيّده حدود، فكل أرضٍ تشرق فيها الشمس هى موطنٌ للروح، وكل إنسانٍ يبتسم لك هو من عشيرتك الكبرى، هذا هو كلام الفلاسفة، لكن الإنسان العادى المنتقل من مكان إلى آخر قد لا يعيه.
الوعى قد ينقلنا من متمسكين بدين معين وآلياته، نحارب من أجل شعائره، ونكفر من لا ينتمى إلينا إلى احترام مضمونه بأن الخالق واحد يدعونا إلى المحبة وإلى العدل والتسامح وفعل الخير.
الوعى يجعلنا ندرك أن الوطن هو ارتباط وجدانى بالتاريخ المشترك والثقافة والأحبة والأصدقاء والأسرة فإذا نجح المتجنس بجنسية جديدة فى خلق هذا الوجدان أصبح منتميا.
حين يرتقى وعى الفرد من «أنا المواطن» إلى «أنا الإنسان»، ينفتح أمامه أفقٌ جديد يرى فيه البشر كأعضاء فى جسد واحد، تختلف لغاتهم ولهجاتهم، لكن قلوبهم تنبض بالإحساس ذاته بالخير والعدل والحرية.
ذلك هو الوعى الذى لا يلغى الأصل، لكنه يسمو عليه، ولا ينسى الجذور، لكنه يجعلها تمتدّ نحو الكون بأسره.
فحين يعرف الإنسان ذاته، يعرف وطنه الحقيقى، وحين يعرف وطنه، يكتشف أن كل الأرض بيتٌ واحد.. وأن كل البشر- مهما اختلفت جنسياتهم- أهل بيتٍ واحد فى رحاب الوجود.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى