
في العامية المصرية عبقرية خاصة؛ نقول: «فلان بعافية» وتعني إنه مريض، الكلمة كما تُقال ويُفهم عكسها، ونقول: «كتر خيرك والله!» ونحن نقصد العكس تمامًا، فما فعله كان شرا والكل يعلم ذلك
هي لغة شعب تعلّم، عبر قرون، كيف يقول ما لا يُقال، وكيف يمرر المعنى من تحت الطاولة، حين يصبح التصريح خطرًا، والوضوح مغامرة.
حين تُعلن الحرية ويُشد الخناق بعد أن أعلن رئيس الجمهورية رغبته في فتح باب حرية التعبير، وأن ذلك هو توجه الدولة، (وأنا متأكد أنه كان يعني مايقول)، توقعت – مثل غيري – أن تتسع المساحة، أو على الأقل ألا تضيق ولكن من هم بعد الرئيس فهموا العكس.
فهموا العامية المصريه بذكاء ما حدث معي شخصياً كان العكس تمامًا في الكتابة، مقالاتي السياسية التي لم تتغير نبرتها، ولا لغتها، ولا التزامها بالدستور، التي تبني ولا تهدم أصبحت تُقابل بتردد أكبر، وخوف أشد، ومراجعات لا تنتهي، كأن التصريح من الرئيس فُهم – في غرف التحرير – على طريقة: «كتر خيرك والله!» وأن “حرية الرأي بعافية”.
الخوف لا من الفكرة، ولا من كلمة أو جملة بل من الظن، المشكلة لم تعد في ما أكتب، بل في ما قد يُفهم مما أكتب، وكأن جهات متعدده في الدولة على “رأسها بطحه”.
أي جملة تذكر الجيش حتى لو كانت في سياق دستوري، “بلاش الجيش يا دكتور لو سمحت!”، ذكر المادة 200 في الدستور التي تنص على أن القوات المسلحة ملك للشعب، ومهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، ومع تعديلات 2019 أُضيف إليها حماية الدستور والديمقراطية وصون المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد أصبح تكرار قولها وكأنه تلقيح على أن القوات المسلحة تفعل غير ذلك فلا يجب تكرارها.
سطر قد “يُفهم” أنه نقد للرئيس حتى لو كان اقتباسًا حرفيًا من الدستور. مثل المطالبة بتداول السلطة تؤخذ كأنها خروج على النظام، لا أحد أسس النظام نفسه، “مش يمكن الرئيس ناوي، فيكون الكلام نقد وإحراج له”.
أه والله هذا ما يقال!، وأحيانًا، لا تكون المشكلة في الجملة، بل في الهواء الذي يحيط بها، النصوص الدستورية صريحة: تداول السلطة، تحديد مدد الرئاسة، مبدأ عدم طلب مدد استثنائية أو رابعة، الفصل بين السلطات، الانتخابات الحرة النزيهة، هي ليست شعارات معارضة، بل أساس العقد بين الدولة والمجتمع.
ومع ذلك، يسود شعور عام – غير مكتوب، وغير معلن – بأن التذكير بهذه المبادئ «قد يفهم أنه نقد لما يمكن أن يكون»، وهنا يتحول الدستور نفسه إلى نص حساس، يُقرأ بحذر، ويُقتبس بخوف، ويُفضَّل تجاهله أحيانًا اتقاءً للمتاعب التي قد تحدث.
إدارات التحرير.. ضحية لا متهم
لا أكتب هذا المقال اتهامًا لإدارات التحرير، على العكس، كثير منها خائف لا متواطئ، ومرتبك لا قمعي، الخوف هنا ليس قرارًا، بل مناخًا عامًا، مناخ يجعل الرقابة داخلية وذاتيه قبل أن تكون رسمية،(ويصبحوا ملكيين أكتر من الملك).
ويجعل الصحفي يحذف جملة ليس لأنها خطأ، بل لأنها قد تُفهم خطأ، الحرية لا تُقاس بالتصريحات، حرية التعبير لا تُقاس بما يُقال في الخطابات، بل بما يُنشر دون خوف، وبما يُقال دون اعتذار مسبق، وبما يُناقش دون أن يُحسب على “النية”.
الحرية الحقيقية هي حين لا يخاف المحرر من كلمة “الدستور”، ولا يرتجف الكاتب الحر من فكرة “تداول السلطة”، ولا تُعامل السياسة كمنطقة ملغومة رغم أنها جوهر الشأن العام.
في الختام بلغة مصرية صافية، نحن شعب يعرف كيف يفهم ما بين السطور، وحين يُقال لنا: «الباب مفتوح»، نجد الأقفال أكثر فنفهم الرسالة، حتى لو لم تُكتب، لكن الدول لا تُبنى بالتلميح، ولا تُدار بالمفارقة اللغوية، ولا تستقر حين تقول شيئًا ويُمارس نقيضه.
كم مرة سمعنا وقرأنا عن أهمية القطاع الخاص من الحكومة والممارسة معوقة لنموّه، كم قرأنا عن مدنية الدولة وعانينا من الدولة الدينية السلفية الإخوانية التي انقضت علي الشعب وتداخلت في علاقة بين الفرد و خالقه، ولم يزيلها إلا جينات حضارة المصريين، ومع ذلك أصبحنا نرى أن حساب الحكومة عند الله وليس في البرلمان والإعلام الحر.
وأصبحنا نرى التعليم تراقبه اللجنة الدينية في مجلس النواب وليس لجنة التعليم، وخرج علينا قانون الفتوي الذي يناقض في مفهومي ما اعلمه من حرية العقيدة وأن الفتوى ليست ملزمة بل هي صحيح قد يقبل الخطأ، وخطأ يمكن استعداله.
في العامية المصرية عبقرية خاصة؛ نقول شيئا ونفعل عكسه، وإلى أن تتطابق الكلمة مع الفعل، سيظل كثيرون – مثلي – يكتبون وهم يسمعون في الخلفية تلك الجملة المصرية العتيقة:
«كتر خيرك والله!» أو “مصر بعافية” ونقصد للأسف، عكسها تمامًا.

