
بعد آلاف السنين من التقدم الحضاري، ما زال فيروس متجدد قديم يحكم العقول.. فيروس اسمه التعصب، عِرقيًا كان أو دينيًا.
بعد أن عبر الإنسان من حياة الكهوف إلى الفضاء، وبعد أن شيّد حضارات وأطلق الثورات العلمية والتكنولوجية، نكتشف أنه ما زال أسيرًا لفيروس قديم يتجدد مستخدمًا أدوات التقدم العسكري والسلطة القاهرة وغياب العقل الجمعي للخير. إنه ليس فيروسًا بيولوجيًا كالطاعون أو الكورونا، بل وباء أشد فتكًا: وباء التعصب.
الوباء المتعدد الأوجه
هذا الفيروس يتخفى تحت شعارات مختلفة، لكنه في جوهره واحد:
في أمريكا، يتجلى في خطاب رئيس يوظف الأصولية المسيحية الإنجيلية لتأجيج الانقسام.
في إسرائيل، يظهر عبر نتنياهو الذي يرفع راية الصهيونية لتبرير الإقصاء والهيمنة.
في العالم العربي، يتجسد في خالد الأصولية السنية التكفيرية الذي يحصر الدين في جهاد أبدي ضد أحادية الفكر والاعتقاد.
وفي إيران، يطلّ في صورة أئمة تتحول العقيدة في أيديهم إلى أداة سياسية لفرض السيطرة.
وفي أفغانستان، في أبشع صور التعامل مع المرأة وحرية المجتمع باسم الدين.
ورغم اختلاف الشعارات، فإن الأصل واحد: نزعة استعلاء وإقصاء ترى في نفسها الحق المطلق، وفي الآخر عدوًا يجب سحقه أو إقصاؤه أو سجنه.
أعراض المرض
كما للأوبئة البيولوجية أعراض، فإن لهذا الوباء علامات واضحة: تقسيم البشر إلى «نحن» و«هم»، تبرير القتل والعنف باسم المقدس، واستدعاء الماضي لتجميد الحاضر واغتيال المستقبل، وإقصاء العقل وتجميد النقد، وصناعة الخوف والكراهية لترسيخ الهيمنة.
أخطر من أوبئة الجسد
لقد واجهت الإنسانية الطاعون والأنفلونزا الإسبانية وكوفيد-19، لكنها كلها عبرت بفضل العلم، أما وباء التعصب، فيصيب الوعي الجمعي، فيتحول إلى حروب أهلية، إرهاب دولي، تطهير عرقي، واستبداد سياسي، إنه يعيد الإنسان إلى الكهوف رغم وصوله إلى الفضاء.
العلاج واللقاح
لا لقاح لهذا الوباء إلا بالعقل، ولا دواء إلا بالعدل والعقلانية وإطلاق حرية التفكير والنقد الذاتي.
إنها التربية وتعليم الأجيال أن التنوع ثراء لا لعنة، والعدالة بالقضاء على الفوارق الطبقية التي تغذي الكراهية.
إنه مدّ الجسور بدل بناء الجدران، وإحياء إنسانية الإنسان قبل أي عقيدة.
إن أخطر ما يهددنا اليوم ليس الفقر ولا تغيّر المناخ وحدهما، بل هذا الفيروس الوبائي الذي يتنكر في أقنعة الدين والقومية، لكنه في حقيقته عدوان على العقل والرحمة معًا.
التاريخ يعلّمنا أن الأوبئة تمر، وأن العقل قادر على ابتكار اللقاحات. لكن شرط النجاة أن ندرك أن الإنسانية جسد واحد، وأي خلية مصابة بالتعصب قادرة على نشر العدوى في الكل.
فلنستيقظ إذن، قبل أن يتحول هذا الفيروس إلى مقصلة تقطع شرايين المستقبل.
أعود بنا إلى أصل هام وهو نظم الحكم السياسية، وأحادية السلطة وصمت النخبة في المجتمعات.
لا بد لنا أن نفكر في كيفية الخروج من هذا المأزق الإنساني.
التعصب في قاعة الأمم المتحدة
لعلّ خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 كان صورة جلية لهذا الوباء، فقد هاجم المؤسسة الأممية، قلّل من شأن التعاون الدولي، ودعا الدول إلى إغلاق حدودها وطرد «الغرباء»، في تجسيد واضح لجوهر التعصب: تقسيم العالم إلى «نحن» و«هم».
ترامب لم يعلن رغبته في حلّ الأمم المتحدة، لكنه مارس ما هو أخطر: هدمها من الداخل عبر تقويض مشروعها وتفريغها من قوتها، تمامًا كما يفعل الفيروس حين يضعف مناعة الجسد ليتركه فريسة سهلة.
هذا الخطاب ليس حدثًا عابرًا، بل جرس إنذار بأن الوباء قد وصل إلى قلب المؤسسة الدولية ذاتها، وإذا استسلم العالم لهذه العدوى، فإن النظام الدولي سيهوي إلى شريعة القوة والانقسام، أما إذا وعى خطورته، فسيكون في وسع الإنسانية أن تنتج «لقاحًا فكريًا» جديدًا، يقوم على العقلانية، العدالة، والتعددية الحقيقية.


