بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ«الحرية»: أقوال على لسان العدو «بين ضعف الحجة وأزمة الثقة وأدوات التنويم»

في فضائنا الإعلامي تتكرر ظاهرة لافتةنصوص ومقولات تُنسب إلى العدو، وتُقدَّم كأنها اعتراف مدوٍّ بانتصارنا أو إقرارٌ بظلمٍ وقع علينايتداول الناس هذه المنشورات بحماسة، وكأنها الدليل الذي لم يعد يحتاج إلى برهاننقرأ مثلًا عن مقالات مزعومة في الصحافة الإسرائيلية تتحدث عن إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة، أو ترجمات ملفقة للنشيد الوطني الإسرائيلي تظهر كأنها نشيد استسلاميتلقفها الجمهور بسرعة مذهلة، وتنال عشرات الآلاف من المشاركات، دون تحقق أو تمحيص.

السؤال الذي يفرض نفسه هنالماذا نحتاج أن يتكلم خصومنا بالنيابة عنا حتى نطمئن إلى صحة موقفنا؟ أليس في هذا ما يكشف ضعف حججنا، أو انهيار ثقتنا بإعلامنا، أو ربما وجود من يتعمد التلاعب بنا عبر تنويم جماعي” يخدر وعينا؟

في هذا المقال أحاول تفكيك الظاهرة عبر ثلاث عدساتضعف البرهان، أزمة الثقة، والتلاعب الدعائيوسأستعرض كيف تتقاطع هذه التفسيرات، وأي أثرٍ تتركه على وعينا الجمعي، ثم أختم بملاحظات أخلاقية وتوصيات عملية.

أولًاأشكال الظاهرة

يمكن رصد ثلاثة أشكال رئيسية لهذه الظاهرة:

1. اقتباس حقيقي موثقمقولات منشورة فعلًا في صحف أو تصريحات، لكنها تُجتزأ من سياقها وتُقدَّم وكأنها إقرار شامل بالهزيمةمثال ذلك الاستشهاد بانتقادات كُتّاب إسرائيليين لسياسات حكومتهم وكأنها إقرار بنهاية المشروع الصهيوني كله.
2. اقتباس محرَّفتُقتطع جملة أو يُعاد تركيبها بما يُغيّر معناها تمامًاكثيرًا ما يُستشهد بنصوص من هآرتس” أو من كتابات يسارية إسرائيلية، لكن بعد اقتطاعها تصبح أقرب إلى صرخة انتحار جماعي لا إلى نقد سياسي محدد.
3. اقتباس مفبرك بالكاملهنا يكمن الخطر الأكبر، حيث يُصاغ كلام لم يُكتب أصلًا، ثم يُنسب إلى كاتب معروف أو صحيفة مشهورةوهذا النمط هو الأكثر رواجًا على منصات التواصل الاجتماعي، إذ يتناسب مع منطق الرسالة السريعة” التي تُلهب المشاعر ولا تحتاج إلى تحقق.

ثانيًاضعف الحجة والبحث عن سند خارجي

اللجوء إلى صوت الخصم يكشف غالبًا عن ضعف داخلي في الحجةفبدل أن نؤسس خطابنا على وقائع وتحليل عقلاني، نبحث عن تعزيز خارجي ولو ملفَّقهذا شبيه بظاهرة تاريخية معروفةعندما كان بعض المثقفين العرب في القرن التاسع عشر يستشهدون بأقوال الرحالة الغربيين لإثبات ما كان يمكن أن يثبت بالمنطق والعلم المحليكأن الاعتراف لا يُعتد به إلا إذا جاء من الآخر.

هذا الميل يضعفنا أكثر مما يقوّينالأنه يكشف عن عدم ثقة بالنفس وبالجمهورإذا لم يقتنع القارئ إلا بصوت العدو، فما قيمة خطابنا نحن؟ ثم إن الاعتماد على أدلة ملفقة يعرّضنا للفضيحة حين تُكشف الحقيقة، فنخسر مصداقيتنا ونرسخ الانطباع بأن خطابنا لا يقوم إلا على الخداع.

ثالثًاأزمة الثقة بالإعلام المحلي

لكن الظاهرة لا تُختزل في ضعف الحجةثمة بُعد اجتماعي وسياسي أعمقانعدام الثقة بالمؤسسات الإعلامية والرسمية.

المواطن الذي يشعر أن إعلامه الرسمي يُضلله، وأن الصحافة المستقلة مقموعة أو مهمشة، سيفضل تلقائيًا أي صوت خارجي، حتى لو كان صوت العدوهنا تصبح شهادة الخصم” أكثر إقناعًا من أي خطاب داخلي، لأنها تبدو غير خاضعة للرقابة المحلية.

أمثلة ذلك كثيرة:

• في الانتفاضة الأولى، كان الفلسطينيون يقتبسون من اعترافات ضباط إسرائيليين نشرتها صحف عبرية، لأن الإعلام العربي لم يكن قادرًا على نشرها بحرية.
• خلال حرب 2006 في لبنان، انتشرت مقاطع مترجمة من صحف إسرائيلية حول الخسائر، وصار لها صدى أكبر من بيانات المقاومة أو الإعلام الرسمي العربي.

إذًا، الفجوة في المصداقية الداخلية هي التي تجعل صوت الخصم، حتى لو مُلفَّقًا، أكثر جاذبية للجمهور.

رابعًاالتلاعب والتنويم الجماعي

لا يمكن أيضًا إغفال أن هذه الظاهرة تُستخدم أحيانًا كسلاحٍ دعائي متعمدفبركة أقوال العدو طريقة فعّالة لإحداث أثر نفسي سريعفهي تُثير الأمل أو الغضب، وتدفع الجمهور إلى استنتاج أن النصر قريب، وأن الخصم ينهار.

لكن في الحقيقة، هذه الرسائل تُنتج تنويمًا جماعيًافهي تخدر الناس بدل أن توقظهمتجعلهم يعتقدون أن التاريخ يعمل لصالحنا” وأن العدو يعترف بالهزيمة، فيتراجع الحافز على الفعل والتفكير والنقديصبح الجمهور متفرجًا يكتفي بالتداول، بدل أن يسائل قيادته أو يطالب بتغيير واقعي.

هنا تلتقي الظاهرة مع ما وصفه الفيلسوف غوستاف لوبون قبل قرنالجماهير تُقاد بالصور والإيحاءات أكثر مما تُقاد بالتحليلوحين تتحول الفبركة إلى صورة” مُكررة، فإنها تصبح أداة لبرمجة الوعي لا لإطلاقه.

خامسًاالاعتبارات الأخلاقية والمعرفية

من الناحية الأخلاقية، هذه الممارسة خطيرةنسب أقوال غير صحيحة لآخرين هو كذب متعمد، وهو يضعنا في المربع ذاته الذي ننتقد فيه خصومنافإذا كنا نلوم العدو” على الدعاية المضللة، فكيف نبرر لأنفسنا استخدامها؟

من الناحية المعرفية، الاعتماد على الفبركة يضر بعقل المجتمعلأنه يُضعف مهارات التحقق والنقد، ويعوّد الناس على قبول أي معلومة إذا صيغت بصيغة العدو يعترفوهكذا، نصبح مجتمعات هشة أمام كل دعاية خارجية أو داخلية.

سادسًاأمثلة تاريخية ومعاصرة

• في الأدب السياسي المصري في الخمسينيات والستينيات، كان بعض الكتّاب ينشرون اقتباسات” من صحافة غربية تُثني على ثورة يوليو، حتى لو كانت مُبالغًا فيها، لإقناع القارئ المحلي بسلامة المسار.
• في حرب العراق 2003، انتشرت على الإنترنت أخبار ملفقة عن تصريحات أمريكية تعترف بالهزيمة، لكنها تلاشت سريعًا حين ظهرت الحقيقة.
• مؤخرًا، مع اتساع منصات التواصل، صار تداول هذه الفبركات أسرع وأوسعمن إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة” إلى النشيد الإسرائيلي مترجمكلها أمثلة على كيف يُصاغ الوهم في جملة عاطفية ويُقدَّم كحقيقة دامغة.

سابعًاما العمل؟

الخروج من هذا المأزق لا يكون بمزيد من الفبركات، بل بالعكس:

4. بناء إعلام مستقل وحر قادر على نشر الحقائق دون خوف.
5. تعليم الجمهور مهارات التحقق (التفريق بين المصدر الموثوق والمفبرك).
6. تقوية الخطاب الداخلي القائم على الحجج المنطقية والوقائع، لا على شهادات مختلقة.
7. المواجهة الأخلاقيةالصدق هو رأس المال الوحيد لأي خطاب سياسي أو ثقافي، وإذا فقدناه فلن نكسب شيئًا حتى لو خدعنا أنفسنا مؤقتًا.

ظاهرة الأقوال على لسان العدو” ليست مجرد حيلة بريئة، بل مرآة لأزماتناضعف الحجة، فقدان الثقة، وقابلية التلاعباستمرارها يعني أن نعيش في وهم مريح بدل مواجهة الحقيقة.

إن أردنا خطابًا قويًا، فعلينا أن نتحرر من الحاجة إلى شهادة العدوفالقوة لا تُستمد من فبركة كلمات، بل من بناء حجج صادقة وإعلام موثوق ومجتمع قادر على النقد والتحققعندها فقط نصبح نحن من يصنع الخطاب، لا أسرى لصور مفبركة نتداولها على عجل.

 

لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى