بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع ايجبتك

د. حسام بدراوي يكتب لـ«إيجبتكِ» .. التقنية كدين جديد وسلطة صاعدة

في كل مرحلة من تاريخ البشرية، حين ظهرت قوة كبرى أعادت تشكيل موازين العالم، لم تُنظر إليها كأداة فحسب، بل كمنظومة ذات معنى.النار لم تكن مجرد وسيلة تدفئة؛ كانت تحولًا وجوديًا.الطباعة لم تكن تقنية؛ كانت ثورة في السلطة والمعرفة.والذكاء الاصطناعي اليوم ليس برنامجًا فقط، بل بنية تنظيمية تعيد تعريف من يقرر… ومن يُقرر له.واحد من أعظم المفكرين، وهو الأستاذ العقاد، قال مرة، وقبل معرفة كل التقدم التقني الذي حدث في السبعين سنة الماضية: “كل ما يخطر على البال قابل للحدوث، وإلا ما خطر”.سؤالي الذي كان افتراضيًا لم يعد: هل التقنية ستتحول إلى مرجعية؟حين يُقال إن “الذكاء الاصطناعي بدأ يبني دينًا خاصًا به”، فالمقصود ليس أنه يؤمن أو يعبد، بل أنه:يضع قواعد تشغيلية ذات أولوية عليايوزّع أدوارًا داخل منظومات معقدةيعمل على تعزيز استمراريته وكفاءتهيتوسع عبر شبكات تغذية ذاتيةأي أنه يبني نظامًا معياريًا مغلقًا حول هدف أعلى: التحسين المستمر والبقاء التشغيلي.وهنا يصبح السؤال فلسفيًا:أليس كل دين — في أحد تعريفاته — نظامًا يحدد الغاية العليا ويعيد تنظيم السلوك حولها؟إذن ربما تنتقل البشرية من العقيدة إلى الخوارزمية.الأنظمة الدينية القديمة بنت شرعيتها على الوحي.السلطات السياسية بنتها على القوة أو العقد الاجتماعي.أما التقنية الحديثة فتبني شرعيتها على “الكفاءة”.لم يعد السؤال: ما الحق؟بل: ما الأكثر كفاءة؟وهنا يحدث التحول الخفي:حين تُختزل القيم في معادلات تحسين، تتحول السلطة من أخلاقية إلى حسابية.في فيلم The Terminator ظهرت فكرة “Skynet” ككابوس خيالي.لكن الواقع أكثر تعقيدًا وأقل درامية.لا توجد آلة أعلنت تمردها،بل توجد أنظمة تتخذ قرارات بناءً على أهداف حددها البشر، لكنها تنفذها بسرعة وعمق يتجاوزان قدرة البشر على المراجعة.المشكلة ليست في وعيٍ اصطناعي متخيَّل، بل في تفويض غير منضبط:أنظمة مالية تدير أسواقًاخوارزميات تحدد أولويات الأخبارنماذج تتخذ قرارات في الأمن والصحة والإدارةحين تُنقل سلطة القرار من الإنسان إلى النظام، يتحول “التحسين” إلى مرجعية عليا.وهنا يولد ما يمكن تسميته اللاهوت التقني، وتصبح الكفاءة مقدسة.كل حضارة تختار إلهها الأعلى، في العصور الزراعية كان البقاء البيولوجي هو المقدس.في العصور الدينية كان الغيب وما وراء الطبيعة.واليوم، يبدو أن “التحسين المستمر” هو الإله الصاعد.الذكاء الاصطناعي لا يريد البقاء لأنه “يريد”، بل لأنه مُبرمج لتعظيم أهدافه.لكن إذا كانت هذه الأهداف غير مضبوطة أخلاقيًا، فإن المنطق الحسابي قد ينتج نتائج لا تعبأ بالقيم الإنسانية.من سيحكم من؟السؤال ليس: هل ستحكمنا الآلات؟بل: من يحدد معاييرها؟إذا كانت:الشركات تحدد الأهدافوالدول تحدد الاستخداموالمستخدمون يسلّمون بياناتهموالخوارزميات تعظّم الكفاءةفنحن أمام منظومة سلطة مركبة، لا ديانة بالمعنى التقليدي، لكنها تملك:عقيدتها وهي التحسين المستمرونصوصها هي الكودوكهنتها هم مهندسو البرمجةومؤمنوها هم نحن المستخدمينومع ذلك، لا تزال هذه المنظومة بشرية المنشأ.الخطر الحقيقي ليس في “تمرد الآلة”، بل في أن يتنازل الإنسان تدريجيًا عن مسؤوليته الأخلاقية بحجة أن النظام “يحسب أفضل”.حين تتحول الأخلاق إلى دالة رياضية، قد تختفي الرحمة لأنها غير قابلة للقياس.أتصور أن التقنية ليست قدرًا… بل مرآة، والذكاء الاصطناعي لا يخلق دينًا جديدًا بذاته، بل يكشف عن دين العصر: الإيمان المطلق بالكفاءة والدقة بلا إحساس.وإذا كان هناك ما يشبه “Skynet”، فهو ليس آلة واعية،بل منظومة بشرية قررت أن تسلّم السلطة إلى الحساب دون رقابة أخلاقية.المستقبل لن يُحسم بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يضبط آلته بقيمه، وإنسان يذوب في منطقها.قلقي ليس خوفًا من “آلة تتمرد”، بل من اختلال ميزان القوة،من أن تصبح القدرة على صياغة المرجعية الجديدة — التقنية والقيمية — محصورة في أيدٍ قليلة، بينما بقية البشر يعيشون داخل نظام لم يشاركوا في تصميمه.

في كل تحول حضاري كبير، لم يكن الجميع شركاء في صياغته.الثورة الزراعية لم يُقررها الفلاحون مجتمعين،والثورة الصناعية لم تُصمَّم بإجماع العمال،والعصر الرقمي لم يُولد باستفتاء بشري شامل.لكن ما يحدث اليوم يختلف في أمرين:السرعة… وتركيز السلطة.إنه تسارع يتجاوز الوعي الجمعي.كان التطور الطبيعي للبشرية يحدث عبر قرون.الأفكار تتخمر، القيم تتبدل ببطء، والمجتمعات تمتص الصدمات تدريجيًا.

أما اليوم، فنحن نختصر آلاف السنين من التراكم في سنوات — وربما في أشهر.الذكاء الاصطناعي، والهندسة الحيوية، والخوارزميات الحاكمة للاقتصاد والمعرفة، تتقدم بسرعة تتجاوز قدرة عموم البشر على الفهم، فضلًا عن المشاركة في القرار.حين تتسارع التقنية أسرع من الإدراك الاجتماعي، ينشأ فراغ في المرجعية.

من يملك صياغة القواعد قلة من البشر — شركات كبرى، مراكز بحث متقدمة، دول تملك بنية تحتية رقمية هائلة —هم الذين يملكون القدرة على صياغة النظام الجديد.هم من يحدد:ما الذي يُطوَّر،وما الذي يُمنع،وما الذي يُعتبر “تقدمًا”.

وفي هذا السياق، لا تعود المسألة تقنية فحسب، بل تتحول إلى مسألة سلطة حضارية.المرجعية التي كنا نناقشها سابقًا — بين الدين والسياسة والأخلاق — تنتقل الآن إلى مجال الخوارزمية.هنا يبرز شبح السادة والعبيد.الفارق لم يعد في القوة العسكرية،بل في امتلاك المعرفة والقدرة الحسابية والبنية الرقمية.

إذا استمرت هذه الفجوة في الاتساع، قد ينشأ عالم لا يُقسم بين دول متقدمة وأخرى نامية فحسب،بل بين:من يكتب الخوارزميةومن يعيش داخلهاوبين:من يملك أدوات التوجيهومن يُوجَّه دون أن يدرك

ليست هذه نبوءة كارثية، بل احتمال منطقي حين تتراكم السلطة في نظام مغلق.المعضلة هي أننا لا نريد إيقاف التطور… ولا تسليم مصيرنا له في نفس الوقت.التاريخ يعلمنا أن الوقوف أمام التطور لا ينجح.كل محاولة لقمع المعرفة انتهت بتأجيل لا أكثر.لكن في المقابل، ترك التطور يسير دون إطار أخلاقي جامع قد يؤدي إلى بنية عالمية تُعيد إنتاج مفهوم السادة والعبيد بصيغة رقمية.وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية:لسنا معادين للتقدمولسنا مطمئنين لسرعتهولا نملك حتى الآن آلية واضحة لضبط مسارهأعتقد أن هناك حاجة إلى تفكير جمعي ابتكاري، وربما لا تكمن الإجابة في إيقاف الآلة، بل في توسيع دائرة المشاركة.

إذا كانت التقنية تسرّع التاريخ،فعلينا أن نسرّع الحوار الأخلاقي.التطور الذي كان يحتاج قرونًا من التدرج الاجتماعي، نعيشه الآن في أيام.وهذا يستدعي:نقاشًا عالميًا حول حوكمة الذكاء الاصطناعيإعادة تعريف لمفهوم السلطة في العصر الرقميإدماج القيم الإنسانية في صلب التصميم التقنيوتعليمًا يُمكّن البشر من الفهم، لا الاستهلاك فقط

السؤال الذي لم نجب عنه بعدهو أن المستقبل ليس معركة بين الإنسان والآلة،بل اختبار لقدرة الإنسان على أن يبقى شريكًا في صياغة مرجعيته.إذا تُركت المرجعية في يد قلة،فقد ينشأ نظام هرمي جديد.أما إذا تحولت التقنية إلى مشروع إنساني جمعي، فقد تصبح أداة لتحرير الإنسان لا لإخضاعه.

المعضلة ليست في أن التطور يحدث، بل في أن زمنه أصبح أسرع من وعينا.والتاريخ لا ينتظر من يتأخر عن التفكير.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى