بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: شاهد الدولة.. ومثقف السياسة

في تاريخ الدول، يندر أن نعثر على شخصيات عبرت العصور السياسية المختلفة، لا باعتبارها أدوات في يد السلطة، ولا معارضين على هامشها، بل شهودًا عقلاء على تحوّلاتها، يفهمون منطقها، ويدركون حدودها، ويحتفظون لأنفسهم بمسافة تتيح الرؤية دون انفعال، والنقد دون خصومة.

الدكتور مصطفى الفقي ينتمي إلى هذه الفئة النادرة.

هو ليس مجرد دبلوماسي سابق، ولا مسؤول شغل مواقع مؤثرة، بل موسوعة فكرية وسياسية، تشكّلت خبرته عبر عقود طويلة من العمل العام، والاحتكاك المباشر بمراكز القرار، والاطلاع العميق على السياسة الدولية، مع قدرة لافتة على تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى تحليل متزن.

بين الدولة والسلطة

مرّ الدكتور مصطفى الفقي بكل المراحل الكبرى في السياسة المصرية الحديثة:

من دولة يوليو بما حملته من طموحات وطنية مركزية، إلى تحولات السبعينيات وإعادة تعريف دور مصر الإقليمي، ثم سنوات الانفتاح السياسي النسبي، وصولًا إلى تعقيدات الإقليم والعالم في زمن العولمة والاضطراب.

ومع هذا الامتداد الزمني، لم يتحول الرجل إلى أسير مرحلة، ولا إلى مدافع أعمى عن نظام، بل ظل رجل دولة لا رجل سلطة يفرق بوضوح بين الوطن والحاكم، وبين استقرار الدولة وجمودها، وبين النقد الهادف والهدم المجاني.

الدبلوماسية كفهم.. لا كوظيفة

في تجربته الدبلوماسية، لم يتعامل مع السياسة الخارجية بوصفها بروتوكولًا أو خطابات رسمية، بل كعلم معقّد تحكمه المصالح، والتوازنات، وفهم النفس البشرية قبل فهم الخرائط.

ولهذا جاءت تحليلاته للعلاقات الدولية دائمًا هادئة، بعيدة عن الشعبوية، مدركة أن السياسة ليست ساحة للنيات الطيبة وحدها، بل ميدان صراع عقلاني، لا ينتصر فيه إلا من يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع.

المثقف السياسي

ما يميز الدكتور مصطفى الفقي حقًا، ليس فقط المواقع التي شغلها، بل طبيعته كمثقف سياسي.

هو قارئ نهم للتاريخ، واسع الاطلاع على الفكر الغربي والعربي، يمتلك لغة رصينة، وقدرة على الشرح دون تبسيط مخل، وعلى النقد دون استفزاز.

يكتب ويتحدث بلغة تعرف قيمة الكلمة، وتدرك أن السياسة ليست ساحة للخطابة، بل مجال للفهم والتفسير. ولذلك ظل حضوره الإعلامي والفكري محتفظًا بقدر كبير من الاحترام، حتى من المختلفين معه.

شاهد لا مؤرخ رسمي

الأهم أن الدكتور مصطفى الفقي لم يسع يومًا إلى أن يكون مؤرخًا رسميًا للسلطة، ولا شاهد زور على وقائعها.

كان قريبًا من القرار، لكنه لم يفقد استقلال العقل.

عارفًا بخفايا الدولة، لكنه لم يتخلّ عن حق التساؤل.

وهنا تكمن قيمته الحقيقية: أن يكون الإنسان داخل المشهد، دون أن يذوب فيه.

في زمن الضجيج زمن تراجعت فيه السياسة إلى شعارات، وتحولت فيه الشاشات إلى ساحات صخب، تبرز قيمة نموذج مثل مصطفى الفقي.

نموذج يذكّرنا بأن السياسة يمكن أن تُفهم، لا أن تُقدَّس، وأن الاختلاف يمكن أن يكون محترمًا، وأن القرب من السلطة لا يعني فقدان البوصلة الأخلاقية أو الفكرية.

مصطفى الفقي يملك قدرة فائقة على السخرية على المتناقضات في أقوال السياسيين وروح مرحة تتيح له نقد أشد خصومة بلا إثارة غضب أو انفعال.

خاتمة

الدكتور مصطفى الفقي ليس مجرد اسم في سجل المناصب، بل ذاكرة سياسية حية، وخبرة متراكمة، وصوت عاقل في زمن الارتباك.

واحترامه لا يأتي من اتفاق الجميع معه، بل من إدراكهم أنه ينتمي إلى مدرسة نادرة: مدرسة العقل، لا الهتاف.. والفهم، لا الانفعال.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى