
هل فكّرت يومًا أن ما يشغل بالك ويؤرقك، قد لا يعني شيئًا لغيرك؟
وأن ما تراه تافهًا، قد يكون عند سواك لبّ الحياة؟
هذا ليس مجرد اختلاف ذوق أو اهتمامات ، إنه انعكاس عميق لموقع الإنسان من الوجود: موقعه في الوعي، في التجربة، في السلم الاجتماعي، وفي خريطة الإدراك.
في هوامش الحياة، حيث يغيب الأمان وتضيق الخيارات، تنكمش دائرة الاهتمام. لا وقت للتأمل، ولا طاقة للحلم. يصبح الخبز أهم من الحرية، والوظيفة أهم من الإبداع، والمظهر أهم من الجوهر. وهناك، في تلك الزوايا، تنشأ حياة كاملة… لكنها محصورة، متكررة، تدور حول تفاصيل قد يراها غيرهم بلا قيمة.
يعيش البعض معركته الكبرى في خلافات بين الأفراد حول قضايا فرعية ، أو في تعليق على صورة على وسائل التواصل، أو في جدال حول زيّ اجتماعي.
تلك التفاصيل، التي نُسميها نحن “تافهة”، هي كل ما يملكونه من أدوات لإثبات الذات وملء الفراغ. أليست هذه صورة من صور البحث عن معنى بأي وسيلة؟ عندما تغيب الرؤية الكبرى، يبحث الإنسان عن انتصارات صغيرة ليشعر بوجوده.
في الطرف الآخر من المشهد، يعيش البعض في أبراج معرفية عالية ، يقرأون الفلسفة، يناقشون مصير العقل البشري، ويحلمون بإعادة تشكيل العالم. لكنهم – أحيانًا – ينسون أن هناك من لم يقرأ كتابًا، ولا يحلم بأكثر من يوم هادئ أو وظيفة آمنة. هنا، تصير اللغة مختلفة، والمعنى مكسورًا.
ويبدأ سوء الفهم ، النخبوي يزدري انشغال “الناس” بتفاصيل سخيفة ، والبسيط يرى هؤلاء في بُرجهم العاجي، ويتهمهم بالانفصال عن الواقع.
هكذا، يتحول التباين إلى احتقار متبادل ، وبدل أن يُثمر الاختلاف عن إثراء، يُنتج غربة داخلية وصدامًا محتملاً صامتًا الآن ، مدوياً غداً
مواقع التواصل، وسّعت الهوّة، بتُضخِّيم القضايا السطحية، وتُقدَّيم التفاهات على أنها قضايا رأي عام.
خلاف تافه بين فنانين، مقطع مضحك بلا محتوى، شائعة مجهولة المصدر … كلها تتصدر الشاشات.
وهكذا تتشوّه خريطة الأهمية: ما يستحق التفكير يُهمَل، وما لا يُغني يُضخَّم.
هل هي أزمة وعي جماعي؟ أم أن الناس تُخدّر عقولها بالتفاهة هربًا من قسوة الواقع؟ أم أحيانًا يكون ذلك مقصوداً .
ومع ذلك، لا يحق لنا أن نحاكم الناس فقط لأنهم يعيشون في الهامش، فقد يكون الهامش قسريًا. فرضته الظروف، والجهل، والفقر، وغياب القدوة، وتراجع التعليم. ليس كل من انشغل بالصغير تافهًا، بل قد يكون مجرد إنسان لم يُتح له أن يرى الكبير.
لكن الخطر كل الخطر أن تتحول هذه الهوة إلى عزلة فكرية، إلى تعالٍ من طرف، واستهزاء من الآخر. المجتمعات لا تنهض حين تزدري أطرافها، ولا تنضج حين تغلق على نخبها ، بل حين تُبنى الجسور.
فلنتأمل بعمق الفجوة بين المركز والهامش، بين النخبة والعامة، بين من يملك أدوات الفعل ومن لا يملك سوى ردّ الفعل.:
لكن المدهش – بل والمحزن – أن الهامش اتسع. لم يعُد محصورًا في فقراء الحظّ وناقصي الفرص، بل بدأ يبتلع من ظنّوا يومًا أنهم في المركز: من حملوا العلم، ومن خَبِروا الحياة، ومن تصدّروا المشهد الثقافي أو المدني ذات زمن.
أصبح كثيرٌ من النخبة – في مصر تحديدًا – يعيشون على هامش التأثير، لا على هامش المعرفة. يجتمعون، يتحاورون، يكتبون المقالات، ويعقدون المؤتمرات… لكن صوتهم لا يصل إلى دوائر القرار، ولا إلى عقول الجموع.
كأنهم يتكلمون في صالة منعزلة، جدرانها مصمتة، لا تُنقل عنها الأصداء.
إنه نوع جديد من التهميش: تهميشٌ للنخبة ذاتها. لا لأنهم فقدوا قيمتهم، بل لأن البيئة المحيطة لم تعُد تصغي، أو لم تعُد تسمح بفاعلية الأفكار.
فماذا يعني أن تكون مثقفًا أو خبيرًا، إذا لم يكن لعلمك أثر، ولمشاركتك صدى؟
يبدو المشهد وكأن الدولة تدير ظهرها للمجتمع المدني، والمجتمع يزداد شرودًا عن المفكرين، والنخبة تكتفي بالتحاور فيما بينها، في دائرة مغلقة تشبه العزاء.
ولعلّ هذا أشد خطرًا من تهميش الفقراء، لأن من يُفترض بهم أن يُضيئوا الطريق، أصبحوا هم أنفسهم خارج طريق الفعل.
إن تهميش النخبة لا يضعفهم وحدهم، بل يضعف المجتمع كله. لأن غياب الجسر بين العقول الواعية ومراكز القرار يحوّل الحكمة إلى صدى، والرؤية إلى زينة.
ولذا، فإن توسيع الهامش بهذا الشكل ليس فقط مأساة فردية لكل من أُقصي، بل هو إخلالٌ بوظيفة النخبة في أي مجتمع حيّ. فالنخبة ليست مجرد طبقة تفكّر، بل هي البوصلة الأخلاقية والفكرية، وإذا انكسرت البوصلة، تاه القارب، حتى لو امتلأت أشرعته بالرياح.
السؤال الخطير هو :هل من يعيشون علي الهامش هم خلايا مكونة للغوغاء.
في ظل ما نعيشه اليوم من فوضى إعلامية وتشويش فكري، قد تتحوّل الحشود الرقمية التي نصفها بالهوامش، إلى قوة لا يستهان بها، رغم بعدها عن الفعل الحضاري الحقيقي.
منذ فجر الحضارات، كانت الجماهير قوة كامنة في المشهد التاريخي، تتحرك بدوافع غريزية، وتحسم مصائر، دون أن تكون بالضرورة صانعة حضارة أو منتجة للمعنى.
لقد خشي الفلاسفة والمفكرون – من أفلاطون إلى ألبير كامو – من سطوة الغوغاء، أولئك الذين يملكون العدد لا البصيرة، الحماسة لا الرؤية، ويقفون دومًا على هامش الفعل العقلي والروحي، لكنهم يقتحمون قلب الأحداث عندما تُستثار غرائزهم.
فمن هم الغوغاء؟
وكيف ساهموا في صنع التاريخ دون أن يسهموا في بناء الحضارة؟
ومن هم غوغاء اليوم في عصر وسائل التواصل، حيث لا يُشترط إلا جهازٌ ذكي واتصال بالإنترنت ليصبح المرء مؤثرًا في مصير الأمم؟
الغوغاء، من الناحية المفاهيمية، ليسوا طبقة اجتماعية محددة، بل حالة عقلية وجماعية من الانقياد والاندفاع.
هم من تحركهم العواطف لا القيم، والشائعات لا المعرفة، والزعيم لا الفكرة.
في التاريخ حاصر الغوغاء سقراط وأجبروه على شرب السم.
هم يرفعون تماثيل القادة ثم يسقطوها بعد لحظات، وفق موازين الغضب لا العقل يهتفون للثورات ثم يحرقون تراثها، كما فعلوا في الثورة الفرنسية بعد لحظات المجد الأولى وكما حدث عندنا بعد ٢٠١١.
الغوغاء لا يصنعون الحضارات، بل يُستَخدمون أداة بيد من يعرف كيف يحرّكهم.”
صانع الحضارة هو من يقدّم للإنسانية معرفة أو قيمة أو بناءً أو فنًا خالدًا. هو الذي يؤسس لمنهج، أو يكتشف قانونًا، أو يحرر وعيًا.
أما الغوغاء، فهم من يُستخدمون وقودًا للثورات أو أداة للانقلابات.
هم يشعلون الحدث، لكنهم لا يكتبون فصله الأخير.
تتكرر مأساتهم: يثورون… ثم يُقصَون، يُستَخدمون… ثم يُنسَون.
في زمن الرقمنة، لم يختفِ الغوغاء، بل تبدّل شكلهم. وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت لكل فرد أن يعلّق، أن يشارك، أن يحتجّ… لكن دون شرط الوعي، أو القراءة، أو الفهم. تُطلق شائعة فتشتعل الدول ، يُقطع فيديو من سياقه فيُدمَّر إنسان ، تُشنّ حملات الإلغاء بناءً على لحظة غضب، لا على تدقيق موضوعي.
هكذا يوُلِد الغوغاءالرقميون:جماهير من المتابعين، يُغيّرون مصائر أناس، ويوجّهون الرأي العام، لكن دون وعي نقدي أو معرفة تاريخية.
الخطر هو أن يُتخذ هؤلاء مرجعية للرأي الجمعي وأن تَخضع الحكومات والمفكرين والمؤسسات لمزاج لحظي من جمهور غير متخصص، لكن واسع التأثير رغم أنه كان بالأمس علي الهامش.
الغوغاء لا يصنعون الكذب… لكنهم يلتهمونه دون تفكير ، ولا يخططون للفوضى… لكنهم يتحركون وفقها.
عالم النفس الجماعي (غوستاف لوبون) أشار إلى كيف يفقد الفرد استقلاليته داخل الحشد، ويتحوّل إلى كائن غريزي.
فلنعترف: نعم، هناك من يعيش في هوامش الحياة ويجعل التافه هدفاً يمثلون وقود الغوغائية ولكن ربما لو مُدَّت لهم اليد، لصاروا في قلب المشهد، لا على هامشه وصاروا بناة حضارة وليسوا وسائل لتدميرها.
أن الحشود قادرة على التغيير، لكنها ليست ضامنة للمعنى ، وأن الغوغاء الجدد قد يكونون أكثر خطرًا من السابق، لأنهم غير مرئيين، ولا تُضبط سلوكياتهم.
تم نسخ الرابط
2025-07-16
395 4 دقائق


