
في فضائنا الإعلامي تتكرر ظاهرة لافتة: نصوص ومقولات تُنسب إلى “العدو”، وتُقدَّم كأنها اعتراف مدوٍّ بانتصارنا أو إقرارٌ بظلمٍ وقع علينا. يتداول الناس هذه المنشورات بحماسة، وكأنها الدليل الذي لم يعد يحتاج إلى برهان. نقرأ مثلًا عن مقالات مزعومة في الصحافة الإسرائيلية تتحدث عن “إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة”، أو ترجمات ملفقة للنشيد الوطني الإسرائيلي تظهر كأنها نشيد استسلام. يتلقفها الجمهور بسرعة مذهلة، وتنال عشرات الآلاف من المشاركات، دون تحقق أو تمحيص.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا نحتاج أن يتكلم خصومنا بالنيابة عنا حتى نطمئن إلى صحة موقفنا؟ أليس في هذا ما يكشف ضعف حججنا، أو انهيار ثقتنا بإعلامنا، أو ربما وجود من يتعمد التلاعب بنا عبر “تنويم جماعي” يخدر وعينا؟
في هذا المقال أحاول تفكيك الظاهرة عبر ثلاث عدسات: ضعف البرهان، أزمة الثقة، والتلاعب الدعائي. وسأستعرض كيف تتقاطع هذه التفسيرات، وأي أثرٍ تتركه على وعينا الجمعي، ثم أختم بملاحظات أخلاقية وتوصيات عملية.
أولًا: أشكال الظاهرة
يمكن رصد ثلاثة أشكال رئيسية لهذه الظاهرة:
ثانيًا: ضعف الحجة والبحث عن سند خارجي
اللجوء إلى صوت الخصم يكشف غالبًا عن ضعف داخلي في الحجة. فبدل أن نؤسس خطابنا على وقائع وتحليل عقلاني، نبحث عن تعزيز خارجي ولو ملفَّق. هذا شبيه بظاهرة تاريخية معروفة: عندما كان بعض المثقفين العرب في القرن التاسع عشر يستشهدون بأقوال الرحالة الغربيين لإثبات ما كان يمكن أن يثبت بالمنطق والعلم المحلي. كأن الاعتراف لا يُعتد به إلا إذا جاء من “الآخر”.
هذا الميل يضعفنا أكثر مما يقوّينا. لأنه يكشف عن عدم ثقة بالنفس وبالجمهور: إذا لم يقتنع القارئ إلا بصوت العدو، فما قيمة خطابنا نحن؟ ثم إن الاعتماد على أدلة ملفقة يعرّضنا للفضيحة حين تُكشف الحقيقة، فنخسر مصداقيتنا ونرسخ الانطباع بأن خطابنا لا يقوم إلا على الخداع.
ثالثًا: أزمة الثقة بالإعلام المحلي
لكن الظاهرة لا تُختزل في ضعف الحجة. ثمة بُعد اجتماعي وسياسي أعمق: انعدام الثقة بالمؤسسات الإعلامية والرسمية.
المواطن الذي يشعر أن إعلامه الرسمي يُضلله، وأن الصحافة المستقلة مقموعة أو مهمشة، سيفضل تلقائيًا أي صوت خارجي، حتى لو كان صوت العدو. هنا تصبح “شهادة الخصم” أكثر إقناعًا من أي خطاب داخلي، لأنها تبدو غير خاضعة للرقابة المحلية.
أمثلة ذلك كثيرة:
إذًا، الفجوة في المصداقية الداخلية هي التي تجعل صوت الخصم، حتى لو مُلفَّقًا، أكثر جاذبية للجمهور.
رابعًا: التلاعب والتنويم الجماعي
لا يمكن أيضًا إغفال أن هذه الظاهرة تُستخدم أحيانًا كسلاحٍ دعائي متعمد. فبركة أقوال العدو طريقة فعّالة لإحداث أثر نفسي سريع: فهي تُثير الأمل أو الغضب، وتدفع الجمهور إلى استنتاج أن النصر قريب، وأن الخصم ينهار.
لكن في الحقيقة، هذه الرسائل تُنتج تنويمًا جماعيًا: فهي تخدر الناس بدل أن توقظهم. تجعلهم يعتقدون أن “التاريخ يعمل لصالحنا” وأن “العدو يعترف بالهزيمة”، فيتراجع الحافز على الفعل والتفكير والنقد. يصبح الجمهور متفرجًا يكتفي بالتداول، بدل أن يسائل قيادته أو يطالب بتغيير واقعي.
هنا تلتقي الظاهرة مع ما وصفه الفيلسوف غوستاف لوبون قبل قرن: الجماهير تُقاد بالصور والإيحاءات أكثر مما تُقاد بالتحليل. وحين تتحول الفبركة إلى “صورة” مُكررة، فإنها تصبح أداة لبرمجة الوعي لا لإطلاقه.
خامسًا: الاعتبارات الأخلاقية والمعرفية
من الناحية الأخلاقية، هذه الممارسة خطيرة. نسب أقوال غير صحيحة لآخرين هو كذب متعمد، وهو يضعنا في المربع ذاته الذي ننتقد فيه خصومنا. فإذا كنا نلوم “العدو” على الدعاية المضللة، فكيف نبرر لأنفسنا استخدامها؟
من الناحية المعرفية، الاعتماد على الفبركة يضر بعقل المجتمع. لأنه يُضعف مهارات التحقق والنقد، ويعوّد الناس على قبول أي معلومة إذا صيغت بصيغة “العدو يعترف”. وهكذا، نصبح مجتمعات هشة أمام كل دعاية خارجية أو داخلية.
سادسًا: أمثلة تاريخية ومعاصرة
سابعًا: ما العمل؟
الخروج من هذا المأزق لا يكون بمزيد من الفبركات، بل بالعكس:
ظاهرة “الأقوال على لسان العدو” ليست مجرد حيلة بريئة، بل مرآة لأزماتنا: ضعف الحجة، فقدان الثقة، وقابلية التلاعب. استمرارها يعني أن نعيش في وهم مريح بدل مواجهة الحقيقة.
إن أردنا خطابًا قويًا، فعلينا أن نتحرر من الحاجة إلى “شهادة العدو”. فالقوة لا تُستمد من فبركة كلمات، بل من بناء حجج صادقة وإعلام موثوق ومجتمع قادر على النقد والتحقق. عندها فقط نصبح نحن من يصنع الخطاب، لا أسرى لصور مفبركة نتداولها على عجل.

