البوابة نيوزبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب للبوابة نيوز: ماذا يحدث في فرنسا؟.. أزمة التعليم تتحول إلى أزمة ثقة

لفت نظري ما يحدث في فرنسا هذه الأيام، ليس فقط لأن مئات الآلاف خرجوا إلى الشوارع، ولا لأن مدارس أُغلقت ومظاهرات اصطدمت بالشرطة، ولكن لأن الذين يقفون في مقدمة المشهد هذه المرة هم الطلاب.

وحين يخرج الطلاب إلى الشارع، فإنني أتوقف دائمًا.

وهذه المرة هم طلاب المدارس وليس الجامعات..

فالطالب في تصوري ليس مجرد متلقٍ لخدمة اسمها التعليم، بل هو مرآة للمستقبل. وعندما يغضب جيل كامل من المدرسة التي يفترض أن تعدّه لهذا المستقبل، فالمشكلة لا تعود مشكلة مدرس غائب أو فصل مزدحم أو ميزانية ناقصة، وإنما تصبح سؤالًا عن العقد الاجتماعي نفسه بين الدولة وأبنائها.

وهذا، فيما أراه، هو جوهر ما يحدث الآن في فرنسا.

بدأت الاحتجاجات الحالية من مطالب تبدو شديدة المحلية والبساطة: نقص المدرسين، وعدم تعويض الغائبين منهم، وازدحام الفصول، وحالة بعض المنشآت المدرسية، ثم امتدت الاعتراضات إلى نظام القبول الجامعي المعروف باسم Parcoursup  وإلى قضية عدم تكافؤ الفرص بين الطلاب والمدارس.

لكن الشرارة الصغيرة وجدت أرضًا جافة.

فاتسعت الحركة خلال أسابيع قليلة، وبلغت ذروتها حتى يوم السادس من أكتوبر، عندما خرجت مظاهرات في باريس ومرسيليا وليون وليل ونانت وستراسبورج وغيرها. وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين على مستوى البلاد بنحو 266  ألفًا، بينما رفع المنظمون الرقم إلى نحو 450 ألفًا.

الأرقام مهمة، لكنها ليست أهم ما في الحكاية.

الأهم هو أن جيلًا صغير السن يقول للدولة الفرنسية، بصورة أو بأخرى: هناك شيء لا يعمل كما ينبغي في المدرسة التي تعدوننا فيها للمستقبل.

فرنسا التي علمت العالم مركزية التعليم

للمشهد دلالة خاصة عندما يحدث في فرنسا.

فنحن نتحدث عن دولة جعلت من التعليم العام أحد أعمدة الجمهورية، وربطت المدرسة بمبادئ المواطنة والعلمانية والمساواة وتكوين المواطن.

والمدرسة الفرنسية لم تكن تاريخيًا مكانًا لتدريس الرياضيات واللغة والتاريخ فقط؛ كانت إحدى أدوات الجمهورية في صناعة الهوية الوطنية ذاتها.

لذلك فإن اهتزاز الثقة في المدرسة يحمل معنى يتجاوز حدود التعليم.

لقد أظهرت نتائج الاختبارات الدولية بالفعل تراجعًا في أداء الطلاب الفرنسيين في مجالات أساسية خلال السنوات الأخيرة، بينما تتزايد الشكوى من نقص المدرسين ومن الفوارق بين المناطق والمدارس. وهذه الخلفية تساعد في تفسير لماذا استطاع احتجاج بدأ من مشكلة محدودة أن يتحول بهذه السرعة إلى حركة وطنية.

وهنا أجد نفسي أعود إلى قضية شغلتني طوال سنوات عملي في إصلاح التعليم:

لا يمكن أن تطالب الطالب بالنجاح في مؤسسة لا تمنحه شروط النجاح.

ولا تستطيع الدولة أن تقول للشباب إن التعليم هو الطريق إلى المستقبل، ثم تسمح بأن يشعر بعضهم بأن جودة هذا الطريق تعتمد على الحي الذي وُلد فيه أو المدرسة التي أُتيح له دخولها.

من أزمة المدرسة إلى أزمة الثقة

هناك لحظة خطرة في حياة المؤسسات لا يكون فيها الخلل الحقيقي هو نقص الموارد وحده، بل فقدان الثقة.

قد يتحمل المواطن مدرسة مزدحمة لبعض الوقت، وقد يتفهم عجزًا مؤقتًا في الموازنة، وقد يقبل إجراءات إصلاحية صعبة إذا اقتنع بأن هناك رؤية وأن الأعباء موزعة بعدالة.

أما حين يفقد الثقة، فإن كل مشكلة صغيرة تصبح دليلًا على مشكلة أكبر.

وهذا ما يجعل الاحتجاجات الفرنسية مثيرة للاهتمام.

فالقضية لم تعد فقط: كم مدرسًا تحتاجه المدارس؟

بل أصبحت أيضًا: هل ما زالت الجمهورية قادرة على الوفاء بوعدها بالمساواة في الفرص؟

وهذا سؤال سياسي وفلسفي قبل أن يكون سؤالًا تعليميًا.

وعندما تدخل الشرطة إلى الصورة

ثم جاءت المواجهات بين بعض المتظاهرين وقوات الأمن لتضيف بعدًا آخر إلى الأزمة.

وقعت أعمال عنف وتخريب في بعض المواقع، وأصيب متظاهرون ورجال شرطة، وأثارت إصابة طالب يبلغ الخامسة عشرة من عمره، أدت إلى فقد يده، جدلًا واسعًا حول أساليب تعامل الشرطة مع احتجاجات الطلاب. وأعلنت السلطات الفرنسية تعليق استخدام نوع من القنابل الصوتية في هذه الاحتجاجات إلى حين استكمال التحقيقات.

وهنا تتغير طبيعة الأزمة.

فحين يبدأ النزاع حول التعليم ثم يصبح النقاش حول الشرطة، تكون الدولة قد انتقلت من السؤال: كيف نُصلح المدرسة؟ إلى سؤال أصعب: كيف نتعامل مع غضب من يجلسون داخلها؟

ولا ينبغي بالطبع تجاهل مسؤولية من يمارس العنف أو التخريب أيًا كان موقعه. فحرية الاحتجاج لا تعني حرية الاعتداء، كما أن حماية النظام العام مسؤولية أساسية للدولة.

لكن قوة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها على السيطرة على الشارع، بل في قدرتها على منع وصول أبنائها إليه أصلًا.

هل نحن أمام مايو 1968 جديد؟

سرعان ما ظهرت المقارنات مع أحداث مايو 1968، حين بدأ تمرد طلابي ثم امتد إلى الجامعات والمصانع، ودخل ملايين العمال في إضرابات هزت فرنسا سياسيًا واجتماعيًا.

لكنني أتحفظ على التسرع في المقارنة.

التاريخ لا يعيد نفسه بهذه البساطة.

فرنسا 2026  ليست فرنسا 1968، والعالم الرقمي ليس عالم المنشورات الورقية والاجتماعات الطلابية، كما أن المطالب الحالية أكثر ارتباطًا في بدايتها بجودة الخدمات التعليمية وتكافؤ الفرص.

لكن هناك تشابهًا واحدًا يستحق الانتباه:

الأجيال الجديدة تستطيع أحيانًا أن تلتقط أزمة المجتمع قبل أن تعترف بها مؤسساته.

وهذه ظاهرة عرفها التاريخ أكثر من مرة.

الشباب لا يملكون دائمًا الحلول الأكثر نضجًا، وقد يبالغون أحيانًا في مطالبهم، لكنهم يمتلكون شيئًا آخر بالغ الأهمية: أنهم لم يتعلموا بعد التعايش طويلًا مع التناقضات التي اعتادها الكبار.

ولهذا يصبح غضبهم أحيانًا جهاز إنذار مبكرًا للمجتمع.

الدرس ليس فرنسيًا

ما يحدث في فرنسا لا ينبغي أن نقرأه باعتباره شأنًا فرنسيًا فقط.

فالدرس أوسع.

كل دولة تقول إن التعليم هو مشروعها القومي الأول تُختبر في ثلاث مسائل بسيطة:

هل يوجد مدرس جيد أمام كل طفل؟

هل يحصل الطفل الفقير على فرصة تعليم تقترب بالفعل من فرصة الطفل الغني؟

وهل يشعر الطالب أن جهده يستطيع أن يغير مستقبله؟

إذا اختلت الإجابة عن هذه الأسئلة، يمكن للدولة أن تنفق المليارات على المباني والأجهزة والمنصات الرقمية، ومع ذلك يبقى جوهر الأزمة قائمًا.

لأن التعليم ليس مباني ولا مناهج ولا امتحانات فقط.

التعليم في جوهره وعد بين جيل وجيل.

يقول الكبار للصغار: تعلموا، واجتهدوا، ونحن سنبني لكم نظامًا عادلًا يسمح لقدراتكم بأن تتحول إلى مستقبل.

فإذا اجتهد الصغار ثم اكتشفوا أن الوعد غير متكافئ، يبدأ الغضب.

أخطر عجز في موازنة الدولة

كثيرًا ما ننظر إلى التعليم من باب الموازنة العامة: كم ننفق؟ وكم نحتاج؟ وكم يبلغ العجز؟

لكن هناك عجزًا آخر لا يظهر في دفاتر وزارة المالية.

إنه عجز الثقة.

وقد تستطيع الحكومات تمويل العجز المالي بالضرائب أو الاقتراض، أما عجز الثقة فلا يُموَّل.

يحتاج إلى الصدق والعدالة والكفاءة والشعور بأن صوت المواطن مسموع قبل أن يتحول إلى صرخة.

وهنا تكمن أهمية المشهد الفرنسي بالنسبة لي.

ليست القضية أن فرنسا فشلت في التعليم؛ فهذا حكم متعجل وغير صحيح على نظام تعليمي كبير ومعقد.

وليست القضية أيضًا أن الطلاب دائمًا على حق أو أن الحكومة دائمًا على خطأ.

القضية أن مجتمعًا ديمقراطيًا كبيرًا وجد نفسه أمام جيل يسأله علنًا عن جودة أحد أهم وعود الجمهورية: المساواة من خلال التعليم وكفاءةادارته وجودته.

وهو سؤال يستحق أن نسمعه نحن أيضًا.

فالمظاهرات  ستنتهي، والمدارس ستفتح أبوابها، وستعود حركة المرور إلى الشوارع، وقد تتوصل الحكومة والنقابات إلى حلول وسط.

لكن السؤال الذي أطلقته هذه الأزمة سيبقى:

ماذا يحدث عندما تطالب الدولة أبناءها بأن ينجحوا، بينما يشعرون أنها لم توفر لهم شروط النجاح؟

أعتقد أن الإجابة لا توجد في الشارع وحده، ولا في مكاتب الوزراء وحدها.

إنها تبدأ داخل الفصل الدراسي.

لأن مستقبل الدول، في النهاية، لا يبدأ أمام البرلمان ولا في القصر الرئاسي.

إنه يبدأ أمام مدرس، وأمامه طفل يصدق أن ما يتعلمه اليوم سيمنحه غدًا أفضل.

وحين يفقد الطفل هذا التصديق، تبدأ أزمة أخطر كثيرًا من أزمة التعليم.

تبدأ أزمة الثقة في المستقبل نفسه.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى