
أرحب جدًا وأثني على تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أكّد خلال لقائه بقيادات الإعلام والصحافة، على أهمية استيعاب المعارضة الوطنية، واعتباره أمرًا مطلوبًا ومهمًّا، طالما أنها تؤمن بأن الدولة المصرية ومؤسساتها تمثل خطًا أحمر.
ليس مطلوبًا من الرئيس أن يدخل في التفاصيل، ولكنه واجب معاونيه وأجهزة إعلامه.
هذه رؤية تحمل في ظاهرها انفتاحًا على الرأي الآخر، وهي خطوة ضرورية لأي نظام يسعى لترسيخ الاستقرار الحقيقي القائم على المشاركة لا الإقصاء.
لكن، وبحكم خبرتي السياسية، فإنني أرى أن العنوان وحده لا يكفي ما لم يُعرَّف بدقة، وإلا تحوّل إلى أداة لتقييد الحريات بدلًا من إطلاقها.
فما المقصود بالمعارضة الوطنية؟ ومن يملك حق رسم الخط الفاصل بين معارضة “مقبولة” وأخرى “مرفوضة”؟
هنا تبرز إشكالية أخرى: هل يمكن الفصل بين الدولة الوطنية والحاكم؟ أم أن أي نقد للحاكم أو حكومته سيفسَّر فورًا على أنه معارضة غير وطنية أو دعوة للفوضى؟ هذا الخلط بين الوطن والسلطة هو أحد أخطر ما يهدد التجربة الديمقراطية، لأنه يحوّل الدفاع عن مصالح الحاكم إلى دفاع زائف عن الوطن، ويغلق الباب أمام الإصلاح والمساءلة.
ثم هناك مسألة الخطوط الحمراء… نعم، لا بد لأي دولة من حدود تحفظ السلم الاجتماعي، لكن التجربة علمتنا أن هذه الخطوط كثيرًا ما تتحول إلى مناطق محرّمة واسعة، يرسمها ويوسعها المحيطون بدوائر السلطة، ممن يسعون إلى كسب الرضا عبر تشديد القيود، فيصبحون “ملكيين أكثر من الملك”. والنتيجة أن الخط الأحمر يمتد حتى يخنق المساحة البيضاء، فلا يبقى مجال للكلمة الحرة إلا في الظلال.
- هل انتقاد تدخل الدين في السياسة وفي التعليم مثلًا يهدد السلم الاجتماعي؟
- هل التذكير بنصوص الدستور التي لا تطبق ولا توجد سياسات معلنة لتطبيقها يهدد الأمن القومي، مثل الفصل بين السلطات وعدم تطبيق أسس العدالة الناجزة؟
- هل انتقاد تدخل أجهزة الأمن – حتى لو حسنت النية – في الانتخابات البرلمانية يعتبر تهديدًا للأمن؟
- هل التساؤل حول الثروات الطائلة التي ظهرت في أيدي أشخاص ينتمون أو يرتبطون بأجهزة الحكم خط أحمر؟
- وهل التساؤل حول إنفاق حكومي بلا عائد اقتصادي أو اجتماعي، أو ضمان تداول السلطة وعدم تعديل الدستور، خط أحمر؟
قطعًا الاتهام بلا دليل مرفوض، ولكن التساؤل إن لم يكن هناك شفافية في المعلومات واجب أساسي للمعارضة.
إن استيعاب المعارضة الحقيقية لا يتحقق بالشعارات، بل بوضع تعريف واضح لما هو وطني، بعيدًا عن الأهواء السياسية، وبالتأكيد على أن الدولة أكبر من أي فرد، وأن معارضة السياسات لا تعني معاداة الوطن. كما يتحقق عبر ضمانات تشريعية ومؤسسية تتيح للجميع التعبير عن آرائهم، ضمن إطار القانون، دون خوف من أن تُترجم كلماتهم إلى اتهامات جاهزة.
إن قوة الدولة ليست في تغييب الأصوات المختلفة، بل في القدرة على إدارة هذا الاختلاف، وتحويله إلى طاقة بناء، لا وقود هدم. ولعل أول خطوة لذلك هي تحرير مفهوم “المعارضة الوطنية” من الغموض، حتى لا يصبح العنوان الجميل بابًا خلفيًا لمزيد من الصمت.
أنا أرى أن الرئيس يريد انفتاحًا ويؤكد رغبته في الاستماع للمعارضة، فلا تغلقوا نوافذ فُتحت وأبواب تسمح بالتنفس، وهو ما يحمي البلاد ويؤكد سلامتها.
حسام بدراوي يكتب لموقع الحرية: أين تقف حدود المعارضة بعد طلب الرئيس بفتح الأبواب؟؟


