المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

شكراً ترامب بقلم حسام بدراوي

لسنوات طويلة، بل لعقود، عشنا داخل سردية كبرى تقول إن العالم — رغم تناقضاته — يتجه ببطء نحو نظام أكثر عدلًا، أكثر إنسانية، وأكثر احترامًا للقانون.
سردية قالت إن الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي، لم تعد مجرد شعارات، بل أصبحت «قواعد لعبة» تحكم العلاقات بين الدول، وتضع حدودًا للقوة، وتمنح الضعفاء حدًّا أدنى من الحماية.
لكن ما نراه اليوم ليس أزمة عابرة في هذا النظام، بل انكشافه الكامل.
هذه المقالة ليست هجاءً للغرب، ولا دفاعًا عن الشرق، ولا حنينًا لنظام قديم، ولا تبريرًا لاستبداد جديد. هي محاولة لفهم كيف انهار الوهم، وكيف تحوّل النظام العالمي من نظام يدّعي القيم إلى نظام يعلن القوة، ومن نفاقٍ أخلاقي إلى فجاجة بلا أقنعة.
لقد مثّل صعود دونالد ترامب لحظة كاشفة، لا لأنه خلق هذا الواقع، بل لأنه قاله وفعلَه علنًا، بلا خجل، وبلا اعتذار.
لكن ما بعد ترامب هو الأخطر: عالم بلا مرجعيات، بلا خطوط حمراء، وبلا أوهام مريحة.
في هذه المقالة ، لا أسأل: من المخطئ؟ بل نسأل السؤال الأصعب: ما الذي تبقّى من النظام العالمي؟ وإلى أين تسير البشرية؟
شكرًا ترامب
فقد أزحتَ الغشاوة عن أعينٍ وعقولٍ كثيرة… أعين سياسيين سُذّج ، آمنوا طويلًا بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، وعدالة الحكم، ودافعوا عنها، واتخذوا مواقف كلّفتهم أثمانًا شخصية في لحظاتها، ظنًّا أن العالم، وإن تعثّر، يسير في اتجاهٍ أخلاقيٍّ عام.
كنا نعرف، أو نتجاهل أننا نعرف من الاستعمار البريطاني والفرنسي والأوروبي التقليدي في الشرق الأوسط، إلى الصين، إلى أفريقيا، إلى الأمريكتين وأستراليا. من السيطرة المباشرة إلى الاستعمار الاقتصادي، من التحكم في مصادر الطاقة والثروة بأساليب «حديثة»، إلى محو دول من الخرائط، إلى قتل شعوب بأكملها، إلى زرع حكّامٍ خونة في أغلب دول العالم.
كل ذلك كان واضحًا أمامنا…لكننا أغمضنا أعيننا أحيانًا بحسن الظن، وأحيانًا أخرى بالسذاجة، وأحيانًا — لنكن صادقين — بالخوف.
إلى أن جئتَ أنت.
لم تُجمّل، لم تُخفِ، لم تتذاك. قلتَ ما كانوا يقولونه سرًّا، وفعلتَ علنًا ما كانوا يفعلونه في الخفاء.
كنتَ واضحًا: في قسوتك، في حقارتك السياسية، في تعصّبك، في مادّيتك العارية، في لا أخلاقيتك، وفي فخرك بكل ذلك.
ثم جاءت الذروة: اختطاف رئيس دولة، الحديث الصريح عن ضمّ واحتلال دول أخرى، إسقاط كل ما نادت به الولايات المتحدة عن حرية التجارة، إلغاء الاتفاقات الدولية بلا خجل،وممارسة عنصرية فجّة داخل أمريكا نفسها:
طرد مواطنين، مطاردة آخرين، والقبض على الناس لمجرد الاشتباه. لم يعد هناك ادعاء، و لم يعد هناك قناع.
أتصوّر — بل أكاد أجزم — أن نموذج اغتيال الزعماء، واختطاف الرؤساء، سيُعاد إنتاجه مع دول أخرى، بعد أن نال «الآخرون» الإذن من قائدة العالم الحر… كما كنا نسميها.
وأتصوّر أن قادة العالم المستبدين في دول العالم الثالث سيزدادون استبدادًا، وبثقةٍ وحرية، ما دام القدوة ، السيد ترامب، بلطجيّ العالم الجديد قد أعطي الإذن.
إن بنيامين نتنياهو سيظل — بلا شك — الزعيم الأثير لديك ، لأن الجرائم حين تُرتكب باسم القوة، تصبح سياسة، وحين تُرتكب باسم الحليف، تصبح فضيلة.
أنا متفائل بطبعي ، لكن ما أشاهده اليوم في العالم خطير ومزعج. نحن نشهد عودة صريحة إلى منطق الغابة:لا قانون، لا ضوابط، لا قيم حاكمة، ولا حتى نفاقٌ أخلاقي يجمّل القبح.
لقد شكرتك يا ترامب، لا لأنك فعلت الصواب، بل لأنك كشفت الكذبة كاملة، ومزّقت ستار الادعاء، وأجبرت العالم أن يرى نفسه في المرآة بلا مساحيق.
لم يكن القانون الدولي عادلًا، لكنه كان يدّعي العدالة ،وكان هذا الادعاء — مهما بدا ضعيفًا — قيدًا على القوة، ومجالًا للاحتجاج، وحدًّا أدنى من النظام.
اليوم، انتهى هذا الادعاء.!لم يعد خرق القانون استثناءً، بل أصبح القاعدة. ولم تعد السيادة مبدأً، بل امتيازًا مؤقتًا تمنحه القوى الكبرى وتسحبه.
القانون لم يُلغَ، بل أُفرغ من مضمونه. يُستخدم حين يخدم الأقوياء، ويُهمل حين يقيّدهم، ويُعاد تفسيره حين يفضحهم.
وهكذا انتقل العالم من نظام يخضع فيه السلاح — شكليًا — للقانون، إلى نظام و يُعاد فيه تعريف القانون وفق ميزان السلاح.
لم تسقط الديمقراطية لأنها فشلت، بل لأنها استُخدمت بلا أخلاق. تحولت من قيمة إنسانية إلى أداة ضغط سياسي. تُرفع في وجه الخصوم، وتُدفن عند الحلفاء.
أنظمة قمعية تُسامَح، وشعوب تُدان، وصناديق اقتراع تُحتفى بها هنا وتُشيطن هناك. المعيار لم يعد إرادة الشعوب، بل موقع الدولة على الخريطة السياسية.
وهكذا فقدت الديمقراطية معناها، لا عند من قُمِعوا باسمها، ولا عند من زُوّرت باسمهم ، بل بيد من أقاموها وخدعونا بإمكان استدامتها
حين يرى المستبد الصغير أن المستبد الكبير لا يُحاسَب، يتحرر من آخر بقايا التردّد ،لن يعود القمع في احتياج إلى خطاب ولا الاعتقال إلى تبرير، ولا الفساد إلى إنكار.
الصفقة واضحة: الولاء مقابل الحصانة الصمت مقابل البقاء عالمياً ومحلياً. وهكذا يدخل الاستبداد مرحلة جديدة: استبداد بلا قلق، وبلا خوف، وبلا حتى نفاق.
اقتصاد الغابة: نهاية العولمة الأخلاقية:
لم تسقط العولمة لأنها ظالمة،بل لأنها ادّعت الأخلاق. فحين تعارضت حرية التجارة مع مصالح الأقوياء، سقطت فورًا.
العقوبات لم تعد أداة ضغط سياسية، بل سلاح تجويع جماعي. والأسواق لم تعد مفتوحة، بل مسيّسة بالكامل.
الاقتصاد لم يعد مجالًا للتنافس، بل ساحة حرب بلا دماء مباشرة.
إسرائيل كنموذج مكشوف للنظام الجديد:
لم تعد إسرائيل استثناءً في النظام العالمي، بل أصبحت نموذجه الأوضح. احتلال بلا اعتذار ،قتل بلا مساءلة و قلب الضحية الي مجرم والمجرم الي ضحية.
ما كان يُرتكب خجلًا، يُرتكب اليوم بثقة، وما كان يُبرَّر، لم يعد يحتاج إلى تبرير.
حين يصبح الاحتلال نموذجً ، لم تعد بعض الدول استثناءً في النظام الدولي بل أصبحت نموذجه المكشوف.
احتلال بلا اعتذار ، قتل بلا مساءلة.
نحن لا نعيش فوضى، بل نعيش نظامًا جديدًا قيد التشكل. نظام بلا قيم جامعة، بلا قانون حاكم، وبلا أوهام مريحة.
السؤال لم يعد: هل يعود العالم إلى ما كان؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يبني نظامًا أكثر عدلًا من دون أكاذيب؟
هذا المقال لا يقدّم إجابة ، لكنه يرفض التواطؤ بالصمت.
كلمة أخيرة
ليس الخطر في سقوط الوهم، بل في الاعتياد على القبح بعد انكشافه.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى