
ليست المواطنة حالة إدارية، ولا توصيفا قانونيا جامدا، بل هي علاقة أخلاقية بين الإنسان والوطن، تقوم على الاعتراف المتبادل اعتراف الوطن بكرامة أبنائه، واعتراف الإنسان بانتمائه الحر إلى هذا الكيان الجامع، وحين تختل هذه العلاقة، لا يكون الخلل في النصوص وحدها، بل في الوعي الذي يسبقها ويليها.
فالدساتير تكتب لتنظم الواقع، لكنها لا تصنعه وحدها، والواقع لا يستقيم إلا حين تتحول القيم الدستورية إلى ثقافة يومية، تتجلى في اللغة، وفي الخطاب العام وفي طريقة نظر المجتمع إلى أفراده المختلفين، لذلك فإن أي مساس غير واع بلغة المواطنة، أو أي تصنيف ضمني بين أبناء الوطن الواحد، لا يعد خطأ لغويا برينا، بل مؤشرا على خلل أعمق في فهم فكرة الانتماء ذاتها.
من هنا، يصبح الحديث عن المواطنة ضرورة فكرية قبل أن يكون مطلبا سياسيا، ومحاولة دائمة لتصحيح البوصلة، حتى يظل الوطن كيانا جامعا لا يُعرف أبناءه إلا بكونهم مواطنين، متساوين في الحقوق مختلفين في القناعات شركاء في المصير
المواطنة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا مادة تكتب في الدستور ثم تنسى، بل هي رابطة وجودية وقانونية وأخلاقية، تجعل الإنسان مواطنا لأنه ينتمي إلى الوطن، لا لأنه ينتمي إلى دين أو فئة أو أغلبية، وهي قبل أن تكون نصا قانونيا، إحساس عميق بالانتماء المتكافئ، يتجلى في اللغة، وفي الممارسة، وفي طريقة نظر الدولة والمجتمع إلى الإنسان.
وأخطر ما يهدد مفهوم المواطنة ليس التمييز الصريح وحده، بل ذلك التمييز المستتر الذي يتسلل عبر كلمات مألوفة، ونوايا قد تكون حسنة، لكنه يحمل في عمقه تقسيما غير معلن للكيان الوطني.
من هنا، استوقفني – كما استوقف غيري – ما طرحه الصديق الكاتب إبراهيم عوض في نقده لاستخدام تعبير الأخوة المسيحيين في لغة الدولة والخطاب الرسمي، وهو نقد يستحق التوقف أمامه، لا من باب الجدل اللغوي، بل من باب الوعي بالمفهوم.
فهذا التعبير، رغم ما قد يحمله ظاهريا من ود واحترام، ينطوي ضمنيا على تصور غير دقيق للمواطنة، إذ يفترض – دون قصد – أن هناك كيانا أصليا غير مسمى، وكيانا آخر يُعرف بصفته الدينية، وكأن المصريين لا يجتمعون في كيان واحد إلا بوصفهم إخوة داخل إطار أوسع، لا بوصفهم مكونات أصيلة في وطن واحد.
المصريون ليسوا إخوة داخل كيان، بل هم الكيان ذاته لا يجمعهم الدين، بل الوطن، ولا تمنحهم الأغلبية حق الوجود، لأن الوجود سابق على الأغلبية، واللغة هنا ليست تفصيلاً هامشيا، لأن اللغة تصنع الوعي، وتكشف عما ترسخ في العقل الجمعي أكثر مما تعلن عنه النوايا، وحين نحرص على دقة اللغة فإننا لا نمارس ترفا ثقافيا، بل نحمي مفهوما دستوريا جوهريا هو المواطنة.
الدستور المصري – كغيره من دساتير الدول الحديثة – لا يمنح الحقوق على أساس ديني، ولا يجعل حرية العقيدة منحة من فئة لأخرى، ولا امتيازا تمنحه الأغلبية للأقلية، بل يقرر بوضوح أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات وأن حرية العقيدة حق أصيل للمواطن، لا يقبل الوصاية ولا التقييد.
وهنا يجب التأكيد على حقيقة كثيرًا ما تغفل: حرية العقيدة في الدولة الحديثة ليست تسامحا دينيًا، ولا هبة اجتماعية، بل حق دستوري يسبق أي تأويل ديني أو اجتماعي، ويعلو عليه.
بل إن مفهوم المواطنة، في جوهره الإنساني، لا يتوقف عند حدود الانتماء إلى الأديان السماوية الثلاثة، فالعالم اليوم يضم ما يقارب ثمانية مليارات إنسان أكثر من نصفهم لا ينتمون إلى الإسلام أو المسيحية أو اليهودية، ولم تسقط عنهم إنسانيتهم، ولم تنتقص أوطانهم من حقوقهم بسبب ذلك.
والمصريون كغيرهم من شعوب الأرض، قد تتعدد هوياتهم الفكرية والعقدية وقد تختلف تصوراتهم للوجود، لكنهم يظلون مواطنين كاملين غير منقوصي الحقوق. فالمواطنة لا تُقاس بنوع العقيدة، ولا بدرجة قبولها اجتماعيًا، بل بالانتماء للوطن والالتزام بقانونه.
إن أخطر أشكال التمييز ليست تلك التي تُمارس بصوت مرتفع، بل تلك التي تمارس همسًا، تحت لافتات الطمأنينة، وبذريعة الحفاظ على السلم الاجتماعي، فحين تعامل الحقوق على أنها تنازلات، وحين يُطلب من المختلف أن يُثبت حسن نواياه باستمرار، نكون قد انتقلنا من دولة المواطنة إلى مجتمع الوصاية.
وإذا أردنا لمفهوم المواطنة أن يكون حيًا، لا مجرد مادة دستورية، فعلينا أن نراجع لغتنا، وخطابنا، وممارساتنا اليومية، لأن المواطنة لا تختبر في النصوص، بل في التفاصيل الصغيرة التي تشكل وعي الناس وشعورهم بالانتماء.
المواطنة ليست أن نعيش معا، بل أن نعيش متساوين دون توصيف، ودون تصنيف، ودون إذن من أحد، إنني أري أن مفهوم المواطنة في الوعي الحكومي وفي لغة بعض المسئولين في مأزق.
فالمواطنة لا تُمنح ولا تسحب، بل تفترض بحكم الانتماء الإنساني للوطن، لكن عندما نميز بين المواطنين باعتبارهما ضيوفا أو أخوة للكيان المصري فهو تمييز يجعل يصبح الانتماء نفسه مشروطا بالعقيدة، لا بالولاء للوطن.
بهذا المعنى، يتحول الدين من تجربة روحية إلى بطاقة عبور مدنية، ومن علاقة بين الإنسان وخالقه إلى علاقة بين المواطن والموظف المختص في مصلحة الأحوال المدنية.
الفلسفة التي غابت في جوهرها أن حرية العقيدة ليست مسألة قانونية بل قضية وعي فلسفي، إن حرية الإنسان في أن يؤمن أو لا يؤمن، وأن يختار لنفسه معنى الوجود، هي ما يجعله إنسانًا.
حين تتدخل الدولة بشكل مباشر او ضمني او بتكرار استخدام عبارات بعينها في هذا الفضاء الداخلي، فهي لا تنتهك القانون فقط، بل تتعدى على منطقة الوعي.
في الدولة المدنية الحقيقية، الدين الله والوطن للجميع، أما حين يُصبح الدين شرطا للمواطنة الكاملة، فإننا أمام نظام يختزل الإنسان في معتقده، ويقيس انتماءه بمقياس الإيمان الرسمي لا المشاركة الوطنية.
هذا هو المنحدر الذي يبدأ باسم حماية العقيدة وينتهي باسم إقصاء البشر، الدولة المدنية القوية لا تخشى التعدد، بل تنظمه بالعدل، والمجتمع الواثق لا يخاف الاختلاف، بل يحميه بالقانون.

