بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

‏ الحياة التي تسكننا بقلم د. حسام بدراوي

‏ الحياة التي تسكننا
بقلم حسام بدراوي ‏
‏“في أحشاء الصمت، تُغنّي المخلوقات التي لا تُرى‎”‎
في عمق الجسد، وفي ظلال الأمعاء، تعيش حياة أخرى غير مرئية، لكنها ‏شرط من شروط وجودنا. إننا لسنا وحدنا. فداخل كل جسد بشري، يعيش كونٌ ‏كامل من الكائنات الدقيقة ‏‎— ‎بكتيريا، فطريات، فيروسات، وأوليات ‏‎— ‎تُشكّل ‏ما يُعرف علميًا باسم الميكروبيوم المعوي.‏
إنه عالم نابض بالحياة، يتجاوز عدد خلاياه عدد خلايا الإنسان نفسه، إذ يضم ‏ما يقدَّر بـ 40 تريليون كائن حي مجهري، تتوزع في قنواتنا الهضمية، ‏وتشارك في وظائف لا يستطيع الجسد القيام بها بمفرده: هضم الألياف، تصنيع ‏الفيتامينات، تنظيم المناعة، حماية بطانة الأمعاء، بل وحتى إنتاج مواد كيميائية ‏تؤثر على الدماغ مثل السيروتونين، ما يُعرف بمحور الأمعاء–الدماغ.‏
ولكن، ما الذي يجعل هذه الكائنات الصغيرة أقرب إلى “سكان‎” ‎وليس “غزاة‎”‎؟
إنها تعيش معنا في حالة تكافل دقيق، أشبه بعقد بيولوجي غير مكتوب، أساسه ‏التعاون والتوازن. فهي لا تطلب منّا شيئًا سوى مناخٍ داخلي صحي، وغذاء ‏متوازن، وبعض الهدوء. ونحن، في المقابل، لا نستطيع العيش بدونها.‏
هنا يصبح السؤال:‏
هل أجسادنا هي حدود كياننا؟ أم أن ذاتنا تمتد لتشمل هذه الكائنات، فنصبح ‏كائنات جماعية تتكوّن من “أنا‎” ‎و‎”‎هم‎” ‎في جسدٍ واحد؟
إن هذه الحياة الخفية داخلنا تطرح تأملاً فلسفيًا عميقًا: ما هي الذات؟
هل نُعرّف أنفسنا بعقولنا فقط؟ أم بجيناتنا؟ أم أن الذات تشمل أيضًا أولئك ‏الصغار الذين يتنفسون داخلنا، يتكاثرون، يفكرون بلغتهم الكيميائية، ويحكمون ‏سلامتنا من وراء حجاب الخلية؟
في هذا السياق، يظهر فن الاعتناء بـ‎”‎المناخ الداخلي‎” ‎كفعل أخلاقي وفلسفي.‏
إن اختلال التوازن بين الكائنات النافعة والضارة في الميكروبيوم ‏‎— ‎نتيجة ‏لتناول مفرط للمضادات الحيوية، أو سوء تغذية، أو توتر دائم ‏‎— ‎لا يؤثر على ‏الجهاز الهضمي فقط، بل ينعكس على المزاج، والتركيز، والمناعة، بل وحتى ‏على القابلية للإصابة بالأمراض المزمنة.‏
كيف نرعى هذا العالم الداخلي؟بتنويع غذائنا الطبيعي‎: ‎الخضروات، ‏الفواكه، الحبوب الكاملة، والألياف‎.‎
بالابتعاد عن الأطعمة المصنعة والمليئة بالسكريات التي تغذّي البكتيريا ‏الضارة‎.‎
بتناول الأغذية الحية‎: ‎مثل الزبادي والكفير والمخللات الطبيعية ‏‎(‎البروبيوتيك‎).‎
وبالهدوء النفسي، إذ يؤثر التوتر سلبًا على توازن هذا المناخ الدقيق‎.‎
في لحظة تأمل، تخيّل جسدًا بشريًا شفافًا، واقفًا في هدوء، كأنه تمثال من ‏ضوء.‏
من داخل أحشائه، لا تظهر أمعاء بل مجرة دوّارة من النقاط المتلألئة، كأن ‏الكون اختبأ في بطن إنسان.‏
تنتشر الكائنات الدقيقة فيه ككواكب صغيرة، بعضها يلمع بلون ذهبي دافئ، ‏وبعضها بلون أزرق حالم، تدور جميعها في انسجام كأنها أوركسترا صامتة ‏تُعزف داخل صالة لا يسمعها إلا من يُصغي بروحه.‏
وفي مركز هذه المجرة المعوية، تنمو شجرة نورانية صغيرة، جذورها تتعمق ‏في طيات الأمعاء، وأغصانها تمتد صعودًا، تمر بالقلب، ثم الدماغ، حيث ‏تتفرع إلى شرارات فكر، كأن الفكر نفسه يبدأ من الأرض الداخلية، لا من ‏الرأس فقط.‏
الصورة تهمس للقارئ:‏
‏“أنت كائن كوني داخليًا، كما أنت خارجيًا. ومن يعتني بمناخه الداخلي، يُحسن ‏السكنى في جسده، ويحيا في توازن مع ذاته ومع العالم.‏‎”‎
في ختام هذا التأمل، يمكن القول إننا لا نحمل هذا الكون الصغير داخلنا ‏فحسب، بل نحن جزء منه أيضًا.‏
نحن ممالك معقّدة، يحكمها نظام بيئي داخلي، يكتب معنا قصة الحياة.‏
فمن أراد أن يحيا بصحة حقيقية، عليه أن يصادق سكان أمعائه، ويحترم قوانين ‏بيئتهم، ويمنحهم أسباب التوازن، كما يُعطي الأرض أسباب الخصب.‏
هم ليسوا ضيوفًا، بل شركاء،
بل لعلهم الأصل ونحن الصورة.‏
في سكوتهم حكمة، وفي عملهم حياة ، وفي وجودهم داخلنا، سرٌّ من أسرار ‏الخلق.‏

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى