
أكد الدكتور حسام بدراوي، الكاتب والمفكرالسياسي، أن الواقع العربي الراهن يشهد تحولات خطيرة تمثلت في انهيار أو ضعف عدد من الدول المحورية مثل سوريا والعراق وليبيا والسودان وغيرها، وهو ما خلق فراغًا استراتيجيًا في المنطقة العربية جعلها أكثر عرضة للتدخلات الأجنبية والمشروعات الإقليمية الطامعة.
التدخلات الأجنبية في المنطقة
وأوضح الدكتور حسام بدراوي، خلال كلمته في ندوة نظمها موقع “إيچبتك” أن هذا السقوط لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة صراعات داخلية وتدخلات خارجية متشابكة، استُغلت لإضعاف بنية الدول العربية وتمزيق نسيجها الاجتماعي والسياسي، مؤكدًا أن الكيان الصهيوني كان أحد أبرز المستفيدين من هذا الوضع الجديد.
وأضاف حسام بدراوي، أن الظرف الحالي يفرض واقعًا جديدًا في معادلات القوة الإقليمية، حيث لم يعد التهديد الصهيوني مقتصرًا على حدود المواجهة العسكرية، بل امتد إلى محاولات السيطرة الفكرية والسياسية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن إسرائيل تعمل اليوم وفق استراتيجية “كسر حاجز التوسع” لإحياء ما تسميه بـ”الحلم القديم لإسرائيل الكبرى”.
“إسرائيل الكبرى” وتوازن القوى
وأوضح الدكتور حسام بدراوي، أن الخطاب الإسرائيلي المعاصر حول فكرة “إسرائيل الكبرى” يعكس حالة من الغرور الاستراتيجي التي غذتها المتغيرات الإقليمية، خصوصًا ضعف بعض الدول العربية التي كانت تشكل سابقًا جدار الصد ضد الأطماع التوسعية، وأن هذا الطرح لم يكن ممكنًا لولا اختلال توازن القوى العربي، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو حتى الاقتصادي، لافتًا إلى أن انهيار مؤسسات الدولة في عدد من العواصم العربية سمح لإسرائيل بتمرير خطابها التوسعي في ظل تراجع الصوت العربي الموحد.
وأضاف حسام بدراوي، أن القوى الصهيونية لم تتخلّ يوماً عن هدفها في فرض واقع جديد في الشرق الأوسط، معتبرة أن الحروب أو التحركات العسكرية ليست سوى أدوات لتحقيق مزاعم الحلم المزيف، وهو حلم يقوم على التوسع الجغرافي والسيطرة الاقتصادية، دون النظر إلى استقرار المنطقة أو حقوق شعوبها.
التعاون المصري السعودي
وشدد الدكتور حسام بدراوي، على أن الطريق الوحيد لمواجهة تلك الأطماع يتمثل في تعزيز التحالف المصري السعودي، موضحًا أن القاهرة والرياض تمثلان ركيزتين أساسيتين في معادلة الأمن العربي، وأن وحدتهما السياسية والاقتصادية قادرة على إعادة التوازن إلى المنطقة، وأن التعاون بين البلدين لا يقتصر على المصالح المشتركة، بل يشكل تحالفًا استراتيجيًا حقيقيًا يحسب له العالم ألف حساب، مشيرًا إلى أن القوى الدولية الكبرى تتابع عن كثب العلاقة بين مصر والسعودية لما تمثله من ثقل سياسي ودبلوماسي في الإقليم والعالم الإسلامي.
وأضاف حسام بدراوي، أن هناك محاولات ممنهجة لزرع الفتن وإشعال الخلافات بين الجانبين بهدف تفتيت هذا التحالف التاريخي الذي يمثل سدًّا منيعًا أمام المخططات الإسرائيلية والإقليمية، داعيًا إلى الحذر من الحروب الإعلامية وحملات التشويه التي تستهدف ضرب الاستقرار العربي من الداخل.
الدعم الأمريكي والدور العربي
ولفت حسام بدراوي، إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تمثل الداعم الأكبر للكيان الإسرائيلي، سواء في الساحة السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية، وهو ما يمنحه تفوقاً غير عادل في المنطقة، وأن هذا الدعم المتواصل ساعد إسرائيل على التغوّل في سياساتها العدوانية، في وقت يعاني فيه العالم العربي من التشتت والانقسام.
وأضاف بدراوي، أن الأحداث التي شهدتها دول مثل سوريا وليبيا واليمن والسودان ساهمت في إضعاف الموقف العربي الجماعي، وجعلت من الصعب على الأمة العربية أن تتحدث بلسان واحد أو موقف موحد، مشيراً إلى أن الهدف النهائي لهذه التحولات هو إضعاف مكانة مصر ودورها المحوري في قيادة العمل العربي المشترك.
التوازن الإقليمي مسؤولية مشتركة
واختتم الدكتور حسام بدراوي، حديثه بالتأكيد على أن التوازن الإقليمي في المنطقة العربية مسؤولية جماعية تتطلب وعياً سياسياً وتنسيقاً استراتيجياً بين الدول الكبرى، وأن قراءة المشهد الحالي يجب أن تأخذ في الاعتبار الفوارق بين التوازن اللحظي الراهن الذي تميل فيه الكفة لصالح إسرائيل، والتوازن التاريخي السابق الذي كانت فيه القوى العربية متماسكة وقادرة على الردع.
وأكد، أن إعادة بناء القوة العربية تبدأ من تعزيز الوحدة بين مصر والسعودية وبقية الدول المستقرة، مشدداً على أن التاريخ أثبت أن القوة العربية حين تتوحد تستطيع تغيير المعادلات الدولية، وختم قائلاً : إن “ما نعيشه اليوم ليس نهاية التاريخ، بل مرحلة اختبار حقيقية لوعي الأمة العربية، وقدرتها على تجاوز أزماتها وبناء مستقبل أكثر قوة واستقراراً.”


