
ي زمن يتعالى فيه صخب المصالح ويُختزل القرار السياسي في معادلات القوة، يسطع أمامنا موقف إنساني يذكّرنا بأن السياسة يمكن أن تكون فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون لعبة نفوذ. هذا ما مثّلته استقالة وزير الخارجية الهولندي وعدد من زملائه احتجاجًا على تردّد حكومتهم في اتخاذ موقف واضح ضد الممارسات الإسرائيلية الوحشية في غزة.
هذه الاستقالة، في ظاهرها انسحاب من السلطة، لكنها في جوهرها فعل أخلاقي من الدرجة الأولي. إن الاستقالة هنا ليست هروبًا، بل حضورًا أعلى: حضور الإنسان الحر في مواجهة الدولة الصامتة.
السياسة كفعل أخلاقي
منذ “سقراط “وحتى” كانط”، طرح الفلاسفة السؤال: هل السياسة تُدار بمنطق القوة أم بمنطق الحق؟ وجاءت استقالات الوزراء لتجيب عمليًا: هناك لحظة يصبح فيها الصمت مشاركة في الجريمة، وحينها لا يعود المنصب امتيازًا بل عبئًا أخلاقيًا.
هذا الموقف أبلغ من آلاف الخطب، لأنه يترجم القول إلى فعل، ويحوّل الكلمة إلى تضحية شخصية.
بين الكرسي والضمير
كم من قادة في عالمنا العربي والعالم الثالث يتمسكون بالكراسي حتى آخر لحظة، غير عابئين بدماء تسيل أو أوطان تضيع؟ وكم من مسؤول يظن أن المنصب غاية في ذاته لا وسيلة لخدمة الحق والعدل؟ من استقال ومن لماذا؟
استقال كاسبر فيلدكامب (Caspar Veldkamp) احتجاجًا على عجز الحكومة عن اتخاذ إجراءات واضحة مثل فرض عقوبات على إسرائيل، رغم ما تواجهه غزة من أزمة إنسانية متفاقمة مع إعلان الأمم المتحدة وقوع مناطق من القطاع تحت طائلة المجاعة .
تبع ذلك انسحاب جميع وزراء حزب “العهد الاجتماعي الجديد” (NSC)، مثل:
- إدي فان هيجوم (الشؤون الاجتماعية)،
- جوديث أوتيرمارك (الداخلية)،
- آبو بروينس (التعليم)،
- دانييل يانسن (الصحة) تحية الي
سبق ذلك احتجاجً الشارع الهولندي على ما اعتُبر ترددًا حكوميًا في التصدي للكارثة في غزة، حيث شهدت لاهاي وتظاهرات ضخمة حشداً لم يحدث مثله منذ عقود: أكثر من 100,000 في مايو وتصاعد العدد إلى 150,000 في يونيو .
الشارع رسم خطًا رمزيًا واضحاً، مطالبًا الحكومة بالتوقف عن الصمت، والتراجع عن الكيل بمكيالين.
أما عن البعد الإنساني العالمي، عندما يخسر وزير منصبه دفاعًا عن المعاناة في غزة، لا يكون هذا دفاعًا عن الفلسطينيين فقط، بل عن كرامة الإنسان جمعاء. إنه يذكرنا بأن السياسة يمكن أن تكون فعل تضامن إنساني، لا مجرد مصالح ضيقة.
مغزى هذه الاستقالات لا يقف عند إعلان سياسي، بل هو درس أخلاقي عميق: السلطة الحقيقية ليست لمن يجلس على الكرسي بل لمن لا يقبل أن يجلس عليه صامتًا عن الظلم.
حسام بدراوي يكتب لـ«الحرية»: البعد الأخلاقي للسياسة.. مغزى غضب الشارع الأوروبي واستقالة وزراء هولندا

