بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: القوة الحقيقية للأمم

ليست كل المفاهيم التي نستخدمها يوميًا واضحة كما نظن، بل إن أخطرها —في كثير من الأحيان— هو الأكثر شيوعًا، ومن بين هذه المفاهيم، تقف “القوة” في موقع ملتبس؛ نرددها بثقة، وننسبها إلى الدول والمؤسسات والأفراد، لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل: ما الذي نعنيه حقًا حين نقول إن هذا الكيان “قوي”؟ هل القوة هي ما نملكه؟ هل هي قوة الجيوش؟ أم ما نستطيع أن نفعله بما نملكه؟ أم أنها شيء أعمق من ذلك… شيء يتعلق بطريقة تكويننا ذاتها؟

في هذا المقال، لا أحاول تعريف القوة من زاوية تقليدية،ولا أقاربها بوصفها أداة صراع أو وسيلة سيطرة، بل أحاول إعادة النظر فيها من جذورها، أنظر للقوة كخاصية لنظام، كنتيجة لتوازن داخلي، كحالة من الانسجام بين عناصر متعددة، إذا اختل أحدها، اختلت القوة كلها.

هذه الرؤية، التي قد تبدو في ظاهرها نظرية، تكشف عن أبعاد شديدة الواقعية حين نُسقطها على العالم من حولنا.

فالدول التي تبدو قوية، ليست دائمًا كذلك، والأنظمة التي تبدو مستقرة، قد تكون في طور التآكل، والكيانات التي نراها صلبة، قد تكون قائمة على توازن هشّ لا يُرى.

ومن هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل القوة حقيقة موضوعية… أم تصور ذهني نصنعه ونصدقه؟، وهل يمكن لكيان ما أن يعيش طويلًا على صورةٍ عن نفسه، تختلف عمّا هو عليه في الواقع؟

حين نقترب من هذه الأسئلة، لا يكون الهدف إصدار أحكام، ولا البحث عن إدانة أو تبرير، بل محاولة فهم:
كيف تتشكل القوة؟ وكيف تتآكل؟ ومتى تتحول—دون أن نشعر—إلى وهم؟

هذا المقال ليس عن الحرب.. ولا عن السياسة فقط.. بل عن شيء أعمق ،عن العلاقة بين الوعي والنظام والقوة، عن تلك اللحظة الفارقة حين يفقد أي نظام وعيه بذاته، حين ننظر إلى الحروب عبر التاريخ، نُخدع غالبًا بالصورة الأقرب إلى أعيننا: جندي في ساحة القتال، دبابات تتقدم، طائرات تحلق، أو مدينة تسقط، تلك اللحظة التي تبدو وكأنها تختزل كل شيء، ويُعلن عندها النصر أو الهزيمة.

لكن، هل كانت تلك اللحظة يومًا هي الحقيقة الكاملة؟
في كتابه «من ينتصر في الحروب؟»، يقدّم المؤرخ العسكري Phillips Payson O’Brien طرحًا مختلفًا؛ إذ يرى أن النصر لا يُصنع في ساحة المعركة وحدها، بل في عمقٍ غير مرئي، حيث الاقتصاد، والصناعة، وسلاسل الإمداد، والسيطرة على الجو والبحر. هناك، في هذا العمق، تُحسم الحروب قبل أن تبدأ، أو تُحسم نتائجها حتى وإن طال أمد القتال.

غير أن هذا الطرح، على أهميته، يمكن أن يُقرأ قراءة أعمق، تتجاوز حدود الاستراتيجية العسكرية، لتلامس مفهومًا أشمل: القوة بوصفها خاصية للنظام، لا مجرد أداة للفعل.

ليست القوة في الدبابة، بل في النظام الذي صنعها.
وليست في الطائرة، بل في العقل الذي صمّمها، والطاقة التي تشغّلها، والشبكة التي توجهها.

إننا هنا لا نتحدث عن أدوات، بل عن منظومة حيّة، تتكامل فيها عناصر متعددة لتُنتج ما نراه في النهاية كـ”قوة”.

وهنا يكمن التحول الجوهري:من فهم القوة كـ”فعل”، إلى فهمها كـ”بنية”.

فالفعل قد يكون لحظيًا، أما البنية فهي ما يمنح هذا الفعل استمراريته، وقدرته على التكرار، والتكيّف، والتجدد. ومن دون هذه البنية، يتحول أي انتصار إلى لحظة عابرة، سرعان ما تتلاشى.

إن ما يُسمّى “قوة العمق” — أي القدرة على تعطيل العدو عبر ضرب اقتصاده وبنيته التحتية — يمكن فهمه، في سياق أوسع، بوصفه محاولة لتفكيك النظام الذي يُنتج القوة لدى الخصم.

فالحرب الحديثة لم تعد تستهدف الجيوش بقدر ما تستهدف:
• الطاقة التي تغذيها
• الصناعة التي تسلحها
• المعلومات التي توجهها
• والمجتمع الذي يحتضنها

بمعنى آخر، لم يعد الهدف هو هزيمة الخصم، بل نزع القدرة عنه ليكون خصمًا أصلًا.

وهنا نصل إلى فكرة أعمق: القوة لا تُهزم بقوة مضادة، بل بانهيار النظام الذي يحملها.

فالنظام الذي يفقد تماسكه الداخلي، أو يختل توازنه، أو تنقطع الروابط بين مكوناته، لا يحتاج إلى هزيمة عسكرية كي يسقط؛ إذ يكفي أن يتفكك من داخله، وهذا ما يفسر كيف يمكن لدول تمتلك ترسانة هائلة من السلاح أن تنهار، في حين تصمد أخرى بموارد أقل، لكنها أكثر تماسكًا واتزانًا.

إن القوة، في جوهرها، ليست عنفًا… بل اتزان.

هي حالة من الانسجام بين عناصر متعددة:
• اقتصاد يعمل
• معرفة تتراكم
• مؤسسات تتكامل
• مجتمع يثق في ذاته

وفي غياب هذا الاتزان، تتحول القوة إلى مجرد مظهر، قد يبدو صلبًا من الخارج، لكنه هشّ في الداخل، ومن هنا، فإن الحروب في عصرنا لم تعد مجرد صراع بين جيوش، بل صراع بين أنظمة:
• نظام قادر على الحفاظ على ترابطه
• ونظام يفقد القدرة على الربط بين أجزائه.

النصر إذن، ليس لمن يملك السلاح الأقوى، بل لمن يملك النظام الأكثر قدرة على الاستمرار، وربما هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية، فليست كل قوة حقيقية، كما أن غياب الهزيمة لا يعني بالضرورة حضور النصر.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى