
هذه قراءة في زيارة رئيس الصين إلى واشنطن.. وفي غيابه عن نيويورك.
في الأسبوع الماضي، اجتمع في نيويورك قرابة مئة وثلاثين رئيس دولة وحكومة، يتناوبون على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، كلٌّ يحمل همومه وحروبه وأزماته إلى القاعة الكبرى. وعلى مسافة ساعة واحدة بالطائرة، كان رئيس الصين شي جينبينغ يجلس إلى مائدة عشاء رسمي في البيت الأبيض.
رجلٌ قطع نصف الكرة الأرضية ليصل إلى واشنطن، ثم لم يقطع تلك المسافة القصيرة إلى نيويورك.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل كان الأمر مجرد ترتيب في جدول المواعيد؟ أم أن الغياب نفسه كان خطابًا لم يُلقَ من فوق منبر؟
ما قيل على المائدة
لم يأتِ الرئيس الصيني ليذكّر الأمريكيين بأنه منافس، بل ليذكّرهم بأنه شريك قديم. استدعى في كلمته خزفًا صينيًا اقتناه جورج واشنطن، وتحالف البلدين في الحرب العالمية الثانية، وخطوة نيكسون الشهيرة نحو بكين. وكأنه يقول: لسنا طارئين على تاريخكم، نحن جزء منه.
ثم انتقل من التاريخ إلى المستقبل، فدعا إلى أن تتصرف الدولتان كقوتين كبريين مسؤولتين، وأن تبحثا معًا عن طريقة جديدة لتعايش الكبار. وفي ختام حديثه وضع شعار مضيفه «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» إلى جوار حلمه هو في «النهضة العظيمة للأمة الصينية»، وقال إنهما يمكن أن يتجاورا.
قد تبدو الجملة مجاملة دبلوماسية لطيفة، لكنها في جوهرها إعلان مساواة. فهي لا تقول: نحن نسير خلفكم، ولا: نحن نسير ضدكم، بل تقول: نحن نسير بجواركم.. بالقامة ذاتها.
وأحاط ذلك كله بلغة الطمأنة: صعود الصين مكسب لأمريكا لا خطر عليها، والمهمة المشتركة هي منع الانزلاق إلى الصدام. إنها لغة من يعرف أن قوته صارت مخيفة، فيحرص على أن يقدّمها في ثوب هادئ.
وما لم يُقل
غير أن ما خرج من الغرف المغلقة كان أقل كثيرًا مما قيل تحت الثريات. هدنة تجارية مُدّدت شهرين فقط، وبيانان منفصلان بدل بيان مشترك، وتايوان حاضرة في كل حديث خلف الأبواب، غائبة عن كل كلمة أمام الكاميرات.
ويرى كثير من المراقبين أن بكين لم تجد ما يدفعها إلى منح مضيفها انتصارًا كبيرًا قبل انتخاباته النصفية في نوفمبر. جاءت لتحاور، لا لتُهدي. وأبقت الأبواب مفتوحة لموعدين قادمين: قمة آسيا والمحيط الهادئ في الصين، وقمة العشرين في ميامي. فالعلاقة، كما أرادها الصينيون، حوار ممتد لا صفقة مغلقة.
وما قاله الغياب
ولنكن منصفين: غياب شي عن الجمعية العامة ليس جديدًا. فمنذ تولّيه الحكم عام 2012 لم يخاطبها حضوريًا إلا مرة واحدة، عام 2015 في الذكرى السبعين لتأسيس المنظمة، ثم خاطبها عبر الشاشة في عامي الجائحة. وقد أبلغ مسؤولون صينيون مسبقًا أنه لا يحضر إلا في مناسبة كبرى، ولم ترسل بكين أصلًا فريقًا تمهيديًا إلى نيويورك. القرار إذن سابق للزيارة، ومدروس.
لكن السياق يمنح العادة القديمة معنى جديدًا. فأن يغيب رئيس عن نيويورك وهو في بكين شيء، وأن يغيب عنها وهو في واشنطن، على بُعد ساعة، شيء آخر تمامًا. وأقرأ في هذا الغياب ثلاث رسائل:
الأولى: أن القرار يُصنع بين اثنين. فالمنبر مكان الكلام، والمائدة مكان القرار. وحين يختار أكبر منافسي أمريكا المائدة ويترك المنبر، فإنه يرسم صورة عالم تحكمه ثنائية كبرى، بينما تتحول القاعة الجامعة إلى ساحة للخطابة أكثر منها ساحة للفعل.
الثانية: أن للهيبة حسابها. فزيارة الدولة حدث قائم بذاته، له مراسمه وصوره ورسائله. ولو ذهب إلى نيويورك لصار واحدًا من عشرات الخطباء في طابور طويل، ولقورن خطابه بخطاب مضيفه الذي وقف على المنبر نفسه قبل أيام. الغياب هنا حماية للصورة.
الثالثة: أن الأدوار موزّعة بعناية. فقد أرسلت الصين نائب الرئيس هان تشنغ إلى المنبر، فتحدث عن التعددية ورفض الانفراد بالقرار واحترام سيادة الدول، وخاطب بذلك دول الجنوب التي تحب أن تسمع هذه اللغة. بينما كان الرئيس نفسه يمارس في واشنطن دبلوماسية القطبين. الصين تقول للعالم ما يحب أن يسمعه، وتفعل مع أمريكا ما تقتضيه القوة.
ولا يمكن فصل ذلك عن حال المنظمة نفسها. فالأمم المتحدة تعيش ضغوطًا سياسية ومالية غير مسبوقة، بعد أن قلّصت واشنطن تمويلها وانسحبت من عدد من وكالاتها، وأمينها العام يستعد للرحيل دون خليفة واضح في الأفق. ومن يرى بيتًا تتشقق جدرانه، قد يفضّل أن يطرق باب الجار القوي على أن يلقي خطبة في صالة يتساقط سقفها.
وماذا عنّا نحن؟
هنا يأتي السؤال الذي يعنيني كمصري أكثر مما يعنيني أي تحليل للقوى الكبرى: إذا كان العالم ينتقل من المنبر إلى المائدة، فأين يقف من لا مقعد له على المائدة؟
لقد كانت الأمم المتحدة، بكل عيوبها، ملاذ الدول الصغيرة والمتوسطة؛ المكان الذي يتساوى فيه صوت دولة ناشئة بصوت دولة عظمى، ولو رمزيًا. وحين يضعف المنبر، يضعف معه صوت كل من لا يملك إلا الكلمة.
والدرس، في ظني، ليس أن نبكي على المنبر، بل أن نسأل أنفسنا: ما الذي يجعل دولة تُدعى إلى المائدة؟ إنه ليس فصاحة الخطاب، بل ثقل الاقتصاد، ورسوخ المؤسسات، وجودة التعليم، وقدرة المجتمع على إنتاج المعرفة لا استهلاكها. فالدول لا تُدعى إلى الموائد لأنها تُحسن الخطابة، بل لأن غيابها يُحدث فراغًا.
في السياسة، كما في الطب، لا تكفي قراءة ما يقوله المريض؛ لا بد من قراءة ما يسكت عنه. والغياب لغة كاملة، ومن لا يتقن قراءتها يظن الصمت فراغًا.




