
كنت في ندوة غلب على حديث الحاضرين فيها نقد الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي المصري. تحدّث الكثيرين بقلق، وربما بغضب، عن الالتفاف الجماهيري حول أفكار سلفية منغلقة، وعن تصاعد التعصب وإقصاء المختلف، وعن ظواهر تتحول فجأة إلى’’ترند”، فيندفع الناس إلى الدفاع عنها بحماسة لا تتناسب مع قيمتها، وكأن العقل الجمعي يجد أحيانًا في التبسيط والتهويل والخرافة ما لا يجده في التفكير والنقد والمعرفة.
واستُعيدت في الحوار ظواهر معاصرة، مثل الجدل الذي دار حول ”العوضي»، وأخرى سابقة، مثل المكانة الاستثنائية التي احتلها الشيخ الشعراوي في الوجدان الشعبي، حتى أصبح نقد بعض أفكاره عند كثيرين اعتداءً على الدين ذاته، لا مناقشةً لاجتهاد بشري يحتمل الاتفاق والاختلاف.
كنت أستمع إلى هذا كله، ولا أنكر جانبًا كبيرًا منه. نعم، هناك تراجع في التفكير النقدي، ونعم، تستطيع الخرافة أن تنتشر بسرعة، وتستطيع الأفكار المتشددة أن تجد منابر وجماهير. لكن سؤالًا آخر حضر في ذهني: هل نحن أمام خصوصية مصرية، أم أمام ظاهرة بشرية تتكرر في المجتمعات كلها، كلما اجتمعت المخاوف مع الإحباط، وضعف التعليم، والرغبة في العثور على إجابات بسيطة لواقع بالغ التعقيد؟
إن تاريخ البشرية لا يسير في خط مستقيم من الجهل إلى المعرفة، ولا من التعصب إلى التسامح، ولا من الاستبداد إلى الحرية. إنه يتحرك في موجات؛ يتقدم أحيانًا، ويتراجع أحيانًا أخرى. يظهر التنوير، ثم تظهر مقاومته. ينتصر العقل في مرحلة، ثم يعود الخوف والعنف والأسطورة في مرحلة تالية. وما نظنه سقوطًا خاصًا بمجتمعنا قد يكون فصلًا متكررًا من الصراع القديم بين حرية العقل وسلطة اليقين المغلق.
حين يختار المتعلمون التعصب
الأفكار المتطرفة لا تزدهر في مجتمعات الجهل وحدها. ألمانيا التي انجرفت وراء هتلر لم تكن مجتمعًا متخلفًا أو خاليًا من الجامعات والفلسفة والفنون والعلوم. كانت بلاد غوته وكانط وبيتهوفن، ومن أكثر المجتمعات الأوروبية تقدمًا في التعليم والصناعة والبحث العلمي. ومع ذلك استطاعت النازية أن تحشد قطاعات واسعة من الشعب حول مشروع يقوم على التفوق العرقي والإقصاء والكراهية.
لم يكن صعود هتلر نتيجة الجهل وحده، بل نتيجة تفاعل معقد بين الهزيمة الوطنية، والأزمة الاقتصادية، والخوف من المستقبل، والشعور بالإهانة، ووجود آلة دعائية بارعة، وزعيم قدّم للناس عدوًا واضحًا يحملونه مسؤولية آلامهم.
لم يقل لهم: إن الواقع معقد ويحتاج إلى عمل طويل. قال لهم، في جوهر خطابه: أنتم عظماء، لكن الآخرين تآمروا عليكم، وأنا وحدي قادر على استعادتكم إلى مجدكم.
وهذه هي الوصفة الشعبوية التي تتكرر بأشكال مختلفة: تبسيط الأزمة، واختراع عدو، وتقديس الزعيم، وتحويل الانتماء إلى عصبية، وإعفاء الناس من مسؤولية مراجعة أنفسهم.
وفي إيطاليا لم يكن موسوليني مجرد خطيب غريب فرض نفسه على شعب رافض، بل وجد من يستجيب لخطابه القومي، واستفاد من خوف الطبقات التقليدية من الفوضى والشيوعية، ومن عنف ميليشياته، ومن ضعف المؤسسات، حتى سلّمه الملك رئاسة الحكومة. ثم حوّل الدولة تدريجيًا إلى نظام فاشي يقمع المعارضين ويقدّس الزعيم.
أما الثورة البلشفية في روسيا، فقد خرجت من واقع مختلف، لكنها قدّمت هي الأخرى وعدًا بالخلاص الكامل، ثم تحوّل الوعد بتحرير الإنسان إلى نظام يحتكر الحقيقة باسم التاريخ والطبقة والثورة. ولم يكن لينين نسخة من هتلر أو موسوليني، ولا يجوز إلغاء الفروق الجوهرية بين التجارب الثلاث، لكن القاسم المشترك هو خطورة الفكرة حين تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، وتعتبر المختلف عدوًا لا مواطنًا أو شريكًا في الإنسانية.
السلفية الدينية، والفاشية القومية، والشمولية الثورية تختلف في مصادرها وشعاراتها، لكنها قد تتشابه في بنيتها النفسية والسياسية: يقين لا يقبل الشك، وماضٍ نقيّ ينبغي استعادته أو مستقبل مثالي ينبغي فرضه، وجماعة مصطفاة، وقائد أو فقيه أو حزب يمتلك التفسير الصحيح، ومختلف يُصوَّر بوصفه خطرًا يجب إسكاتُه.
لماذا ينجذب الناس إلى الإجابات المغلقة؟
من السهل أن نصف الجماهير بالجهل أو العته، لكن هذا الوصف لا يفسر الظاهرة ولا يساعدنا على تغييرها. الإنسان لا يبحث دائمًا عن الفكرة الأكثر منطقية؛ كثيرًا ما يبحث عن الفكرة التي تمنحه الأمان، وتحفظ كرامته، وتفسر آلامه، وتجعله جزءًا من جماعة.
العقل النقدي يقبل الاحتمال والتعقيد. أما الخطاب المتعصب فيقدم إجابات نهائية: هذا هو الحق، وهذا هو الباطل؛ نحن الأخيار، وهم الأشرار؛ الماضي كان كاملًا، والحاضر فاسد؛ المشكلة ليست فينا، بل في عدو يتربص بنا.
هذه الإجابات مريحة نفسيًا، حتى عندما تكون خاطئة. فهي تريح الإنسان من عبء الشك ومن مسؤولية البحث، وتمنحه هوية جاهزة وشعورًا بالتفوق الأخلاقي.
ويزداد الميل إليها حين تضعف الثقة في المؤسسات، ويغيب الأمل في المستقبل، ويتحول التعليم إلى تلقين، ويصبح الإعلام أسير الإثارة، وتكافئ وسائل التواصل الاجتماعي الصوت الأعلى لا الفكرة الأعمق. وفي هذا المناخ لا تنتصر الفكرة الأكثر عقلانية بالضرورة، بل الفكرة الأبسط والأشد إثارة للخوف أو الغضب.
لكن الشعوب ليست كتلًا ثابتة، ولا تحمل جينات خاصة بالتنوير أو التعصب. المجتمع نفسه الذي يحتفي بالخرافة يمكن أن ينتج العلماء والمبدعين. والإنسان ذاته قد يبدو محافظًا في مجال، ومتحررًا في مجال آخر. لذلك لا يجوز اختزال ملايين البشر في ’’ترند”، أو الحكم على مستقبل أمة من ضجيج لحظة.
التنوير لا ينتصر مرة واحدة
التنوير ليس محطة تصل إليها المجتمعات ثم تستقر فيها إلى الأبد. إنه جهد متواصل، يحتاج إلى من يحميه ويجدده وينقله من جيل إلى جيل.
حتى المجتمعات التي أنجبت فلسفات الحرية وحقوق الإنسان عادت في مراحل مختلفة إلى العنصرية والقومية المتطرفة والخوف من المهاجرين وكراهية المختلف. والحقوق التي تبدو اليوم بديهية لم تُمنح بسهولة، بل انتزعها بشر تعرضوا للسجن والنفي والتكفير والقتل.
التنويريون كانوا غالبًا في مأزق، ليس لأن أفكارهم ضعيفة، بل لأنهم يطالبون الإنسان بأصعب ما يمكن أن يُطلب منه: أن يفكر بدلًا من أن يردد، وأن يشك بدلًا من أن يطمئن إلى إجابة جاهزة، وأن يقبل حق المختلف في الوجود، وأن يراجع الأفكار التي ورثها عن أسرته وجماعته وسلطته الدينية أو السياسية.
المتعصب يمنحك يقينًا فوريًا. أما التنويري فيفتح أمامك سؤالًا. ولهذا يبدو الأول أكثر جاذبية في لحظات القلق، بينما يحتاج الثاني إلى تعليم وثقافة وحرية وأمان نفسي يسمح للإنسان بأن يسأل من دون خوف.
ومع ذلك، فإن معظم الأفكار الشمولية التي بدت في لحظة ما خالدة انتهت أو تحولت. النازية التي ملأت الساحات والميادين بالرايات سقطت. الفاشية التي أعلنت صناعة الإنسان الجديد انهارت. والأنظمة التي زعمت أنها عرفت قوانين التاريخ النهائية تراجعت أو تفككت. أما الأسئلة التي طرحها دعاة الحرية والعقل والكرامة الإنسانية، فقد بقيت وعادت في صور جديدة.
ليست هذه دعوة إلى الاطمئنان الكسول؛ فالأفكار المتطرفة، حتى إذا انتهت، قد تترك وراءها حروبًا ومذابح وأجيالًا من الضحايا. لكنها دعوة إلى عدم الخلط بين الصخب والاستمرار، وبين الانتشار اللحظي والانتصار التاريخي.
لقطة في فيلم أطول
قلت للحاضرين: لا أنكر ما تصفونه، لكنني أرى أيضًا ملايين الأطفال المصريين تحت سن السادسة عشرة، وعشرات الملايين من الشباب الذين لم يبلغوا الثلاثين. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام سكانية، بل احتمالات إنسانية مفتوحة.
خلال عقد واحد يمكن أن يتغير وجه المجتمع إذا استثمرنا في تعليمهم وثقافتهم وقدرتهم على التفكير والإبداع. ومن بينهم يمكن أن تظهر قيادات جديدة في العلم والفن والسياسة والاقتصاد والفكر، بشرط ألا نورثهم يأسنا، وألا نكتفي بإخبارهم أن المجتمع قد فسد وأن العقل قد هُزم.
إن أخطر ما يفعله المثقف هو أن يتحول نقده إلى ازدراء للناس؛ لأن ازدراء الجماهير لا ينيرها، بل يدفعها إلى أحضان من يخاطبون خوفها وغضبها ويمنحونها اعترافًا زائفًا بالقيمة. مهمة التنويري ليست أن يقف فوق المجتمع ويوجهه بالتوبيخ، بل أن يدخل معه في حوار، وأن يفهم لغته ومخاوفه، وأن يجعل المعرفة قابلة للوصول، والحرية مرتبطة بالكرامة، والعقل وسيلة لتحسين الحياة لا امتيازًا تتباهى به نخبة صغيرة.
ليست القضية أن نهاجم شيخًا أو فنانًا أو )ترندًا(، ثم نتصور أننا انتصرنا للعقل. القضية هي بناء المواطن القادر على التمييز بين الإيمان واستغلال الدين، وبين الفن والاستعراض، وبين الشعبية والقيمة، وبين احترام الشخص وتحويله إلى رمز لا يجوز نقده.
وهذا لا يتحقق بالمواعظ وحدها، بل بمدرسة تحترم السؤال، ومعلم يتعلم كيف يكتشف قدرات الأطفال، وثقافة تصل إلى الأحياء والقرى، وفنون تفتح الخيال، وإعلام لا يحتقر عقل الجمهور، ومجال عام يسمح بالنقاش والاختلاف.
ما نراه اليوم ليس الصورة الأخيرة لمصر، بل لقطة في فيلم أطول. قد تكون لقطة مزعجة، وقد يعلو فيها صوت التعصب والخرافة، لكنها لا تختصر الشعب كله، ولا تحدد نهاية الحكاية.
التاريخ لا يتغير فقط بأصحاب الأصوات العالية، بل أيضًا بأعمال هادئة تتراكم: طفل يتعلم كيف يسأل، ومدرس يرفض التلقين، وكتاب يفتح نافذة، وفنان يهز الوجدان، وأسرة تسمح لأبنائها بالاختلاف، ومؤسسة تحمي حرية الفكر، ومثقف لا يفقد ثقته في الإنسان.
لذلك قلت لهم، وأقول لنفسي: لا تنكروا الظلام، لكن لا تمنحوه صفة الخلود. لا تستهينوا بقوة التعصب، لكن لا تبالغوا في تقدير بقائه. ولا تجعلوا ضجيج اللحظة يحجب عنكم احتمالات المستقبل.
فما نراه لقطة في الفيلم، وليس نهايته.
فلا تيأسوا.




