المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ”المصري اليوم” … ‎مُت فارغًا… فما لا يُوثَّق لا يوجد

كتاب هنرى تود، وعنوانه «مُت فارغًا» فكرته، على بساطتها، صادمة وتقول لا تأخذ أفكارك معك إلى القبر، بل أفرغها فى الحياة قبل أن تُفرغك الحياة منها. فكل إنسان يحمل بداخله، مهما كانت مكانته أو حرفته، كنزًا من الخبرة والتأمل ودروس العمر، لم يُخلق ليُدفن معه، بل ليُورَّث لمن يأتى بعده.
يرصد المؤلف القوى الخفية التى تُبقى الإنسان الموهوب أسير الرتابة رغم طموحه: فقدان الهدف، والملل، والركون إلى الراحة، والوهم بأن المعرفة القديمة كافية، والكبرياء الذى يمنعه من التعلّم من جديد.
ويخلص الكتاب إلى أن الفارق بين من يرحل وقد أفرغ كل طاقته فيما يستحق، ومن يرحل وقد ترك أفضل ما فيه حبيس نفسه، هو فارق قرار لا قدر محتوم.
وقفت طويلًا أمام هذه الفكرة، لأنها تلامس شيئًا أعمق من مجرد النصيحة العملية فى التطور المهنى التى قصدها المؤلف. إنها تطرح سؤالًا وجوديًا: ما الذى يبقى من الإنسان بعد أن يغيب؟ وهل يكفى أن نكون قد عشنا، وأحسنّا، وفكّرنا، إن لم يبقَ من كل ذلك أثر يُقرأ أو يُروى أو يُستأنف؟
هنا يتقاطع كتاب «مُت فارغًا» مع فكرة أخرى ظللت أعود إليها كلما تأملت مصير المعرفة الإنسانية عبر العصور: ما لا يُوثَّق لا يوجد.
قد تبدو هذه العبارة قاسية، فهى تنكر على تجارب لا حصر لها حق الوجود لمجرد أنها لم تُكتب. لكنها، من زاوية أخرى، وصف دقيق لما تفعله الأيام بالذاكرة. فالحكمة التى لم تُدوَّن تموت بموت صاحبها، والدرس الذى لم يُنقل يُعاد تعلّمه من الصفر فى كل جيل، والخطأ الذى لم يُسجَّل يتكرر إلى ما لا نهاية. ما لا يُترك أثرًا مكتوبًا لا يُصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية للإنسانية، بل يبقى حبيس الفرد، ينطفئ بانطفائه.
فالحضارة، فى جوهرها، لا تُبنى إلا على تراكم المعرفة، جيلًا بعد جيل. والعلم نفسه لا يتقدم إلا بالنظرية التى تُدوَّن أولًا، ثم تُختبر، ثم تُثبَت أو تُنقَض بالدليل. وحتى الخطأ، إذا وُثِّق، يصبح خطوة على الطريق، يوفّر على من يأتى بعدنا عناء الوقوع فيه من جديد.
أما الفكرة التى تبقى حبيسة الذهن، صائبة كانت أم خاطئة، فلا تدخل هذا السلّم من التراكم، ولا تصير جزءًا من رصيد الإنسانية، ويبدأ من يأتى بعدها من نقطة الصفر ذاتها التى بدأ منها صاحبها.
بل إن أصحاب الفكر، عبر التاريخ، ما إن يُخرجوا أفكارهم إلى النور حتى يواجَهوا بالاتهام والتهوين، بل وأحيانًا بالتكفير. وهنا تكمن مفارقة أليمة: أن هذا الاتهام ذاته كثيرًا ما يُدوَّن ويُحفظ ويُروى، بينما الفكرة التى أثارته تندثر ولا تصل إلينا كاملة. فيبقى فى الذاكرة الجمعية أن فلانًا اتُّهم أو حُورب أو كُفِّر، دون أن يُروى لنا غالبًا بمَ فكّر أو ماذا أراد أن يقول. وكأن التاريخ أرحم بمن يهاجم الفكرة منه بمن يحملها.
فى ممارستى الطبية، رأيت هذا رأى العين. جلست إلى مرضى فى أواخر أعمارهم، يحملون من الحكمة والخبرة والتجربة الإنسانية ما يكفى لتأليف مجلدات، فإذا بهم يغادرون الحياة ولم يتركوا سطرًا واحدًا. لم يكونوا كتّابًا، ولم يظنوا أن ما عاشوه يستحق أن يُكتب. وهذا بالضبط هو الوهم الذى يحاربه هنرى تود: الظن بأن التوثيق حكرٌ على العلماء والمشاهير وأصحاب الإنجازات الكبرى، بينما الحقيقة أن كل تجربة إنسانية صادقة، مهما بدت صغيرة، تحمل فى داخلها احتمالًا أن تُنير طريق آخر لم يعشها بعد.
وقد لا يكون التوثيق دائمًا كتابة رسمية أو مؤلَّفًا منشورًا. فقد يكون رسالة، أو تسجيلًا صوتيًا، أو حوارًا يُروى لابن أو تلميذ، أو حتى لوحة تحمل ما عجزت الكلمات عن حمله. المهم ليس الشكل، بل الفعل ذاته: أن تُخرج ما بداخلك إلى عالم يمكن لغيرك أن يصل إليه بعدك. فالتوثيق، فى جوهره، ليس تمجيدًا للذات، بل تصالحًا معها: أن تقبل أن ما عشته لم يكن عبثًا، وأن تمنح غيرك فرصة ألا يبدأ من الصفر.
ولعل أخطر ما فى حضارتنا المعاصرة، رغم وفرة وسائل التوثيق التى لم يعرفها إنسان من قبل، أننا اصبحنا نغرق فى تسجيل التفاصيل الخبرية العابرة، بينما تظل التجارب العميقة، الحقيقية، المُكتسَبة بثمن غالٍ من العمر والألم والتأمل، حبيسة الصدور.
نصوّر لحظة عابرة، ونصمت عن خلاصة تجربة كاملة. وكأن سهولة الوسيلة أفقدتنا جدية الغاية.
وكثيرًا ما يواجهنى من هم أقرب الناس إليّ بسؤال يحمل استخفافًا لا يُخفى: «بتكتب ليه؟ بتتعب نفسك فى المقالات والكتب ليه؟ هوَّ فى حد أصلًا بيقرأ؟ ريح واستريح». وأعترف أن هذا السؤال، على سذاجته الظاهرة، يحمل فلسفة كاملة فى الحياة: فلسفة من يرى أن الراحة غاية فى ذاتها، وأن الصمت أسلم من الكلام، وهى فلسفة أتفهمها ولا أشاركها، لأن القارئ الذى أكتب من أجله يقينًا ليس بالضرورة من يقرأ اليوم، بل ذلك الذى لم يُولد بعد.
فدعوة «مُت فارغًا» ليست دعوة إلى الغرور بأن كل ما نحمله عظيم يستحق أن يُقرأ، بل دعوة إلى التواضع الحقيقى: أن نثق بأن تجربتنا، مهما كانت متواضعة، ليست ملكًا خاصًا بنا وحدنا، بل أمانة عابرة بين أيدينا، لا يحق لنا أن نأخذها معنا حين نرحل. فالإنسان الذى يموت وقد أفرغ كل ما فيه من معنى ودرس وتجربة، لم يمت حقًا، بل انتقل، لأن جزءًا حيًّا منه ظل يعمل فى عقول الأحياء وأقلامهم وذاكرتهم.
وأنا، إذ أكتب هذه السطور كل أسبوع، أدرك أننى لا أفعل شيئًا سوى محاولة ألا أموت ممتلئًا. فكل مقال هو قطرة أُفرغها قبل أن يجفّ النبع، وكل فكرة أدوّنها هى رهان على أن يقرأها يومًا من لم يولد بعد، فيجد فيها ما يُغنيه عن أن يبدأ من حيث بدأتُ أنا، لا من حيث انتهيت.
فلنُخرج ما بداخلنا إلى النور، قبل أن يخرج معنا إلى الصمت. ولنتذكر دائمًا: ما لا يُوثَّق لا يوجد.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى