بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

حسام بدراوي يكتب لـ«الحرية»: المعارضة بين استقلال المبدأ وأسر الاصطفاف

في عالم السياسة، كثيرًا ما يُختزل الموقف الإنساني في خانتين ضيقتينإما أن تكون معنا” أو ضدناهذه الثنائية القاسية تلتهم المساحة الرمادية الرحبة التي يعيش فيها الفكر الحر، وتحاصر صاحب الرأي المستقل بين مطرقة السلطة وسندان المعارضة المؤدلجة.

أنا لا أخفي معارضتي للحكم الديني السياسي، وأقف بوضوح ضد استغلال المدخل الديني لتحقيق أهداف سياسية، وهو ما تفعله جماعة الإخوان المسلمينفالتاريخ علّمنا أن خلط الدين بالسلطة لا ينتج دولة عادلة، بل يخلق سلطة مطلقة تتخفى وراء القداسة، وتعطل النقد والمساءلة باسم الدين.

لكن هنا يطرح السؤال الفلسفي نفسهماذا لو جاء موقف من هذه الجماعة، في قضية ما، يتفق – عرضًا – مع قناعتي الشخصية؟ هل أمتنع عن إعلان تأييدي له خوفًا من أن أُحسب على منهجهم؟ أم ألتزم بمبدئي وأعلن موقفي، حتى لو صفق له من أعارض فكرهم جذريًا؟

إنها نفس المعضلة المقلوبة التي يواجهها من يقف في معارضة السلطة الحاكمة في مصر، حين تختطف جماعات دينية أو أيديولوجية صدى تصريحاته لتدعيم خطابهابل إن الخطأ يتضاعف حين تتعامل الدولة معي كما لو كنت مسؤولًا عن رد فعل الإخوان على ما أقول، لا عن رأيي ذاتهوهكذا يصبح الحكم على الموقف مرهونًا بهوية من يوافقه، لا بصلابة منطقه أو صحة مضمونه.

هذه الممارسات تحوّل النقاش العام إلى سجن ولاءات، حيث يصبح المبدأ أسيرًا للانتماء، لا محكومًا بقيمته الذاتيةوهي أشبه بحصار ذهني، يُراد به أن نُقَيِّم الأفكار لا بناءً على اتساقها مع الحقيقة أو العدالة، بل وفقًا لقائمة الأصدقاء والأعداء.

الموقف الفلسفي الذي أتبناه واضحالمعيار هو الفكرة، لا صاحبهاأوافق الرأي الذي أراه صائبًا حتى لو جاء ممن أعارضهم في الجوهر، وأرفض ما أراه باطلًا حتى لو صدر عن أقرب الناس إليّبهذا وحده نحمي الاستقلال الفكري من الابتلاع داخل معارك الاصطفاف الأعمى.

يعجبني قول الإمام علي بن أبي طالب انظر إلى ما قيل، ولا تنظر إلى من قال، وهي دعوة صريحة لتحرير الفكرة من سجن الهوية.

إن التمسك بالمبدأ، حتى حين يلتقي عرضًا مع موقف خصمك، هو قمة الاستقلال الفكري، وأعلى درجات النزاهةأما الدفع وراء منطق الاصطفاف، فهو طريق مختصر نحو تآكل القيم وتحويل السياسة إلى لعبة شعارات خاوية.

فالحرية الحقيقية ليست أن تقول ما تريده الجماعة التي تنتمي إليها، بل أن تقول ما تراه أنت حقًا، حتى لو صدم الجميعوعندها فقط، يمكن للمعارضة أن تكون ضميرًا للأمة، لا مجرد انعكاس لخصوماتها.

حسام بدراوي يكتب لـ«الحرية»: المعارضة بين استقلال المبدأ وأسر الاصطفاف

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى