المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

”ربّنا بالمقاس “ حين تُعاد صناعة المقدّس لخدمة السلطة بقلم حسام بدراوي

منذ أن عرف الإنسان فكرة الإله، ظلّ السؤال عن علاقة الإنسان بربّه موضوعًا للجدل، والتأمل، والإيمان. لكن في العصر الحديث، ومع تزاوج السياسة بالدين، في عودة لعصور ظلامية ، لم يعد الله ــ كما يراه الناس ــ مطلقًا فوق المصالح، بل صار يُعاد تشكيل صورته “بالمقاس” لتخدم أجندة سلطة أو مشروع أيديولوجي أو طموح توسّعي.
إنه الإله الذي يُعاد خلقه في العقول وفق متطلبات اللحظة: إله الحرب عند الحاجة، إله السلام عند التفاوض، وإله العقاب حين تُراد الهيمنة على الآخر. هذه المقالة محاولة لتفكيك هذا التحوّل، وإبراز مخاطره على الإنسان، وعلى معنى المقدّس ذاته.
“شعب الله المختار”: الملكية الفكرية للمقدّس
لقد أبدع اليهود في صياغة مفهوم “الاختيار” كحق إلهي خاص: فهم وحدهم ــ حسب القراءة الحصرية للنص ــ شعب الله المختار. هذا الامتياز تحوّل مع الزمن إلى ما يشبه “براءة اختراع إلهية” تسمح باستثناء الذات من المساءلة، وتفتح الباب لتبرير التضحية بالآخرين دون شعور بالذنب.
في هذا السياق، لم يعد الله مطلق العدالة والرحمة، بل أصبح “مقاسًا” على جماعة بعينها، وكأن العلاقة بالسماء عقد حصري، يمنح امتيازات لمَن وُقّع باسمهم.
النسب المقدَّس: من سام إلى أسطورة سياسية
لم يعد الأمر متوقفًا على النصوص فقط، بل صار الانتماء إلى جدٍّ قديم ــ “سام” قبل ثلاثة آلاف عام ــ معيارًا مقدّسًا، لا يجوز نقاشه أو التشكيك فيه. من يقترب من هذه السردية يعرّض نفسه للعقاب، وكأننا أمام تابو جديد يغلّف الأسطورة بغلاف القانون والسياسة.
هكذا يتحوّل النسب إلى أداة سياسية معاصرة: ليس مجرد أصل تاريخي أو رواية ثقافية، بل بطاقة هوية مقدسة تُفرَض على العالم بوصفها حقيقة مطلقة.
الدين كأداة سلطة: من الشرق إلى الغرب
ليس اليهود وحدهم مَن مارسوا “التفصيل الإلهي”. في الولايات المتحدة، نرى كيف يوظَّف الخطاب الإنجيلي لدعم سياسات قومية ودولية، حتى لو تعارضت مع القيم المسيحية الأصيلة في الرحمة والمحبة. في العالم الإسلامي، تتعدد الأصوات التي تجعل من الله ملكية لجماعات بعينها ، أو سلاحًا في مواجهة الخصوم، أو حارسًا على هوية مغلقة ترفض التعدد. وفي العالم الثالث، يتنافس الزعماء على حيازة “الخط المباشر مع الله”، ليظهر كلٌّ منهم باعتباره ظلًّا للسماء على الأرض.
إنها الظاهرة ذاتها: الإله يُختَزل في وظيفة سياسية، ويُفصَّل بالمقاس، ويُباع للناس كبضاعة شرعية.
ما الذي نفقده حين نصنع إلهاً بالمقاس؟
اننا ببساطة نفقد الضمير النقدي: فحين يصبح المقدّس حكراً على سلطة، يتوقف العقل عن السؤال، ويُلغى النقد.
كذلك يصبح من السهل إقصاء الآخر أو سحقه ما دام خارج “المقاس المقدّس”.
يزداد الأمر سوءاً بشرعنة العنف حيث لا يعود العنف خطيئة، بل واجبًا مقدسًا يُكافَأ عليه الإنسان، لأن الله المصنوع بالمقاس يباركه.
بهذا المعنى، نخسر المعنى الجوهري للقداسة: كونها مصدرًا للعدل والرحمة والكرامة الإنسانية.
المطلوب فلسفيًا وأخلاقيًا هو إعادة الاعتبار لله بوصفه المطلق الذي يعلو على المصالح والحدود والأنساب ، الله الذي لا يُختَزل في أمة أو جماعة ، الله الذي لا يُباع في أسواق السياسة ، الله الذي يُلزم الإنسان بالمسؤولية الأخلاقية تجاه كل كائن بشري، لا تجاه عشيرته فقط.
فقط حين نُخرج المقدّس من دوائر الاستخدام السياسي يمكن أن يعود الدين إلى أصله دافعًا للضمير، وبوصلةً للعدالة، وحمايةً للإنسان من جشع الإنسان.
إن “ربّنا بالمقاس” ليس إلا قناعًا سياسيًا لإله حقيقي لا يُقاس ولا يُحتكر. وما لم ندرك هذه المفارقة، سنظل ندور في حلقة العنف والتبرير، حيث تُصنَع الآلهة حسب الطلب، ويُعاد خلق المقدّس بما يخدم القوة لا بما يحفظ الكرامة.
الله لا يُختَصر في نسب، ولا يُختَزل في سياسة، ولا يُفصَّل بمقاس. الله مطلق، والإنسانية كلها مدعوّة إليه، لا قبيلة واحدة ولا أمة واحدة.
يقول نتنياهو:
“أرض إسرائيل هي هبة من الله لشعب إسرائيل، ولن نتخلى عنها.”
“نحن شعب الله المختار، وهذه الأرض هي وطننا الأبدي.”
“قيام دولة إسرائيل ليس حدثًا سياسيًا فقط، بل هو تحقيق لوعد إلهي عمره آلاف السنين.”
ويقول ترامب:
“أنا وعدتُ، وقد أوفيتُ، القدس هي عاصمة إسرائيل.” (إعلان نقل السفارة 2017)
“القدس ليست مجرد مدينة، إنها قلب واحدة من أعظم وأقدم الأديان في العالم، واليوم نحن نفي بوعدنا لله والتاريخ.”
“الله يقف مع إسرائيل، والولايات المتحدة ستقف دائمًا إلى جانبها.”
اقوال دعاة إسلاميون:
“من ليس معنا فهو ضد الله، والوقوف ضد جماعتنا هو وقوف ضد شرع الله.” (شعار متكرر لجماعات الإسلام السياسي).
“الحاكمية لله، ومن يعارض مشروعنا فهو يعارض الله نفسه.” (مقولة شهيرة لتيارات تكفيرية).
“الجهاد فريضة مستمرة حتى قيام الساعة، وعلى الأمة أن تُسخِّر كل طاقاتها لهذا الواجب الإلهي.”
أقوال دعاة مسيحيون (تيار إنجيلي – أمريكي)
القس جون هاغي: “الله أعطى هذه الأرض لشعب إسرائيل منذ آلاف السنين، ومن يقف ضد إسرائيل فهو يقف ضد الله.”
القس بات روبرتسون: “الرئيس ترامب أُرسل من الرب لينقذ أمريكا ويعيدها إلى مسارها المسيحي.”
قس آخر في تظاهرة: “أمريكا أمة تحت الله، ومن يعارض قيادتها المنتخبة إنما يعارض مشيئة الرب.”
أقوال حاخامات يهود:
الحاخام عوفاديا يوسف (الزعيم الروحي لحركة شاس): “الأغيار (غير اليهود) خُلقوا ليخدموا اليهود. فهذه هي إرادة الله.”
“من يلمس أرض إسرائيل المقدسة بلا حق يُعتبر محاربًا لله، ويجب استئصاله.”
هذه الأمثلة تكشف أن “الله بالمقاس” ليس ظاهرة مرتبطة بدين واحد، بل آلية خطابية مشتركة، يوظَّف فيها المقدّس ليخدم السياسة أو الجماعة.
الخاتمة:
إن الله المطلق، الذي يعلو على الأنساب والأجندات، يجد صداه في مجتمعات تحمي كرامة الإنسان بالعدل والمساواة. فقط عندما نُحرر المقدّس من دوائر السياسة، يستعيد الدين دوره كبوصلة للضمير ومدافع عن الإنسانية جمعاء، لا عن فئة أو أمة بعينها.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى